التقليد بين السلب والإيجاب
إذا أردنا التدقيق في مسألة التقليد فمن غير الصحيح أن نحكم عليه بأنّه أمر سلبي في كلّ الأحوال ، فكما يكون سلبيّاً في بعض الأحوال ، فهو أيضاً إيجابيّاً في بعضها الآخر ، بل قد يكون ضروريّاً ولازماً في أحوال اُخرى ، كما في تقليد أهل التخصّص ; لأنّه لا بدّ من توزيع التخصّصات والمهمّات وفق رؤية علميّة صحيحة بحيث يستطيع الإنسان أن يركن إليها ; وذلك لأنّ الكائن البشري لا يستطيع أن يكون خبيراً في كلّ شيء . وكلامنا هذا لا يقتصر على التقليد الفقهي ، وإنّما يعمّ جميع التخصّصات ; لأنّ التقليد منهج علمي شريطة أن يخضع لرؤية علميّة سليمة وموازين صحيحة تعتمد على كفاءة المقلَّد في تخصّصه ، وأن لا تدخل المحسوبيات في تقييم الشخصيات المقلَّدة . والذي يرفض التقليد بشكل تامّ لا يمكن لنا أن نؤيّده ; لأنّ ذلك سيؤدّي إلى سدّ الطريق أمام العلم لكي لا يتّخذ مجراه بشكل صحيح ، والقرآن إنّما ذمّ التقليد الذي لا يكون مبنيّاً على العلم ، فقال تعالى : * ( وَكَذلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَة مِن نَذِير إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّة وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُقْتَدُونَ ) * ( 1 ) .