بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الّذي جعل من صلاح هذه الأُمّة نصب الإمام العادل ( 1 ) ،
هامش
( 1 ) الإمام لغةً : الإنسان الّذي يُؤتمّ به ويُقتدى بقوله أو فعله ، محقّاً كان أُم مبطلا ، وجمعه : أئمّة ، وإمام كلّ شيء :
قيِّمه والمصلح له ، والقرآن الكريم إمام المسلمين ، ويعني المثال ، والخيط الّذي يمدّ على البناء ، ويعني
الخشبة ، أي خشبة البنّاء يسوّي عليها البناء ، وتعني الحادي إمام الإبل ; لأنّه الهادي لها . ( انظر لسان العرب
مادّة " أُمّ " ، ومحيط المحيط للمعلّم بطرس البستاني : 16 ط لبنان ، المفردات للراغب الإصفهاني : 24 ) .
وقد وردت كلمة " الإمام " في آيات كثيرة من القرآن الكريم ، منها : ( يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسِم بِإِمَمِهِمْ
فَمَنْ أُوتِىَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُوْلاَلِكَ يَقْرَءُونَ كِتَبَهُمْ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلا ) الإسراء : 71 . وقال تعالى : ( قَالَ إِنّي
جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ) البقرة : 124 . وقال تعالى : ( وَمِن قَبْلِهِ كِتَبُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً ) هود : 17 . وقال
تعالى : ( وَجَعَلْنَاهُمْ أَلِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا ) الأنبياء : 73 . وقال تعالى : ( فَقَتِلُواْ أَلِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لآَ أَيْمَنَ لَهُمْ
لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ ) التوبة : 12 . وقال تعالى : ( وَجَعَلْنَاهُمْ أَلِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَمَةِ لاَ يُنصَرُونَ )
القصص : 41 . وقال تعالى : ( وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَلِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُواْ . . . ) السجدة : 24 . وقال تعالى :
( وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ) الفرقان : 74 . وقال تعالى : ( فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَام مُّبِين ) الحجر : 79 .
ومن خلالِ التأمّل في الآيات الكريمة ومعاني اللغويّين يظهر لنا أنّ كلمة " الإمام " تدلّ على معان
كثيرة تفيد : القيادة ، والزعامة ، والقدوة ، والرئيس ، والقيّم ، والمصلح ، والهادي .
أمّا اصطلاحاً - كما ذكر المحقّق الحلّي في شرح الباب الحادي عشر : 42 ، وشرح التجريد
للقوشجي : 274 - فهي : رئاسة عامّة في أُمور الدين والدنيا لشخص من الأشخاص نيابة - خلافة - عن
النبي ( صلى الله عليه وآله ) . أو كما ذكر صاحب المواقف : 345 هي : خلافة الرسول في إقامة الدين بحيث يجب اتّباعه
على كافّة الأُمة . أو - كما قال ابن خلدون في مقدّمته : 191 - هي : نيابة عن صاحب الشريعة في حفظ
الدين وسياسة الدنيا .
وقد ذكر الإمام عليّ بن موسى الرضا ( عليه السلام ) وصفاً دقيقاً للإمامة بالمعنى الشرعي نذكرُ بعضاً منه .
قال ( عليه السلام ) : إنّ الإمامة هي منزلة الأنبياء ، وإرث الأوصياء . إنّ الإمامة خلافة الله ، وخلافة الرسول ( صلى الله عليه وآله ) ،
ومقام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، وميراث الحسن والحسين ( عليهما السلام ) . إنّ الإمامة زمام الدين ونظام المسلمين ،
وصلاح الدنيا ، وعزّ المؤمنين . إنّ الإمامة أُسّ الإسلام النامي وفرعه السامي ، بالإمام تمام الصلاة والزكاة
والصيام والحجّ والجهاد ، وتوفير الفيء والصدقات ، وإمضاء الحدود والأحكام ، ومنع الثغور والأطراف .
الإمام يحلّ حلال الله ، ويحرّم حرام الله ، ويقيم حدود الله ، ويذبّ عن دين الله ، ويدعو إلى سبيل ربّه
بالحكمة والموعظة الحسنة ، والحجّة البالغة . ( الكافي : 1 / 200 ) .
إنّ اختيار الإمام يعود إلى الله وحده ، فالشيعة وأكثر المعتزلة متّفقون على وجوب الإمامة والخلافة
العامّة عن طريق العقل والشرع ، ولذا يقول النظّام : لاَ إمامة إلاّ بالنصّ والتعيين ظاهراً مكشوفاً ، وقد
نصّ النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) على عليٍّ ( عليه السلام ) في مواضع ، وأظهره إظهاراً لم يشتبه على الجماعة . ( الملل والنحل
للشهرستاني : 1 / 57 مطبعة مصطفى البابي بمصر 1961 ) .
ولهذا فهي رئاسة عامّة إلهية ، خلافة عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في أُمور الدين والدنيا ، وتولّي السلطة
المطلقة الّتي كانت للنبي ( صلى الله عليه وآله ) دون استثناء .
إذن الإمام هو ذلك الإنسان المعيّن من قبل الله تعالى لهداية الناس ، وشرطه : أن يكون معصوماً من
الذنوب ، وقد نصّ على الإمام عليّ ( عليه السلام ) من الكتاب بآيات نذكر عدّة منها : ( وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَْقْرَبِينَ )
الشعراء : 214 . وقال تعالى : ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوةَ وَيُؤْتُونَ
الزَّكَوةَ وَهُمْ ركِعُونَ ) المائدة : 55 .
قال العلاّمة الحلّي في كتاب كشف المراد : والاستدلال بهذه الآية يتوقّف على مقدّمات :
إحداها : إنّ لفظة " إنّما " للحصر ، ويدلّ عليه المنقول والمعقول ، أمّا المنقول فلإجماع أهل العربية
عليه ، وأمّا المعقول فلأنّ لفظة " إنّ " للإثبات ، و " ما " للنفي قبل التركيب ، فيكون كذلك بعد التركيب
عملا بالاستصحاب ، وللإجماع على هذه الدلالة ، ولا يصحّ تواردهما على معنىً واحد ، ولا صرف
الإثبات إلى غير المذكور والنفي إلى المذكورِ للإجماع ، فبقي العكس ، وهو صرف الإثبات إلى المذكور ،
والنفي إلى غيره ، وهو معنى الحصر .
الثانية : إنّ الولي يفيد الأولى بالتصرّف ، والدليل عليه نقل أهل اللغة واستعمالهم ، كقولهم : السلطان
وليّ من لاَ وليّ له ، وكقولهم : وليّ الدم ووليّ الميت ، وكقوله ( عليه السلام ) : أيّما امرأة نكحت بغير إذن وليّها
فنكاحها باطل .
الثالثة : إنّ المراد بذلك بعض المؤمنين ، لأنّه تعالى وصفهم بوصف مختصًّ ببعضهم ، ولأنّه لولا ذلك
للزم اتّحاد الوليّ والمولّى عليه .
وإذا تمهّدت هذه المقدّمات فنقول : المراد بهذه الآيات هو عليّ ( عليه السلام ) ; للإجماع الحاصل على أنّ من
خصّص بها بعض المؤمنين قال : إنّه عليّ ( عليه السلام ) ، فصرفها إلى غيره فرق للإجماع ، ولأنّه ( عليه السلام ) إمّا كلّ المراد أو
بعضه للإجماع ، وقد بيّنّا عدم العمومية ، فيكون هو كلّ المراد ، ولأنّ المفسّرين اتّفقوا على أنّ المراد بهذه
الآية " عليّ " ( عليه السلام ) لأنه لمّا تصدّق بخاتمه حال ركوعه نزلت هذه الآية فيه ، ولا خلاف في ذلك . ( كشف
المراد : 368 ) .
وانظر : إعلام الورى : 168 . وجواهر النقدين في فضل الشرفين : 3 / 534 نقلا عن الإحقاق ،
واللوامع الإلهية : 276 ، والعمدة لابن البطريق : 124 ، والخصائص له : 66 ، والصراط المستقيم للعلاّمة
البياضي : 1 / 265 ، وتلخيص الشافي للشيخ الطوسي : 2 / 10 ، وتقريب المعارف للشيخ أبي الصلاح
الحلبي : 127 ، والغدير للعلاّمة الأميني : 3 / 163 ، والمراجعات للسيّد شرف الدين : 235 ، ودلائل
الصدق للشيخ المظفّر : 2 / 342 ، وكشف الغمّة : 1 / 62 ، وغير ذلك تحمل ما يقارب هذا المضمون السابق .
وأمّا من السنّة النبوية فهي كثيرة ، نذكرُ بعضاً منها للاختصار :
قال الرسول ( صلى الله عليه وآله ) : أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لاَ نبي بعدي ، إنّه لا
ينبغي أن أذهب إلاّ وأنت خليفتي . ( الصواعق المحرقة لابن حجر : 29 ، صحيح البخاري : 2 / 324 ،
صحيح مسلم في فضائل عليّ : 324 ، المستدرك للحاكم النيسابوري : 3 / 109 ، مسند ابن ماجة :
1 / 28 ، مسند الإمام أحمد : 1 / 175 و 177 و 179 و 182 و 331 و 369 ، كنز العمّال : 6 / 152 ح
2504 ، وتلخيص الحافظ الذهبي على المستدرك : 3 / 133 ، وخصائص النسائي : 17 ، والإصابة لابن
حجر : 4 / 568 ، وينابيع المودّة للقندوزي : 2 / 58 ) .
وقال ( صلى الله عليه وآله ) : من كنت مولاه فهذا عليٌّ مولاه . ( تذكرة الخواصّ لسبط ابن الجوزي : 30 ، وصحيح مسلم :
7 / 123 ، وخصائص النسائي : 39 ، المناقب لابن المغازلي : 30 ، وذخائر العقبى للمحبّ الطبري : 67 ،
وكنز العمّال للمتقي الهندي : 1 / 167 ، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي : 18 / 287 ، وشواهد التنزيل للحاكم
النيسابوري : 1 / 162 ، والملل والنحل للشهرستاني : 1 / 162 ، وسرّ العالمين للغزالي : 10 ، والإصابة
لابن حجر : 2 / 15 ، و : 4 ، 567 ، والخطط للمقريزي : 2 / 92 ، ومسند أحمد : 1 / 221 ، و : 2 / 438 ،
و : 3 / 110 ، و : 4 / 438 ، و : 5 / 256 و 347 ، وكتاب الاعتقاد للبيهقي : 204 ، والمستدرك : 3 / 111 ) .
وحديث الثقلين : ( صحيح مسلم : 4 / فضائل عليّ ح 36 و 37 ، وسنن الترمذي : 5 / باب 32 ، وسنن
الدارمي : 2 / فضائل القرآن ، وخصائص النسائي : 50 ، وذخائر العقبى للمحبّ الطبري : 16 ، وتذكرة
الخواصّ : الباب 12 ، وأُسد الغابة : 2 / 12 ، وتاريخ اليعقوبي : 2 / 102 ، والمستدرك على الصحيحين :
3 / 109 ، ومسند أحمد : 3 / 17 و 5 / 181 و 371 ، والصواعق المحرقة : 25 المطبعة الميمنية بمصر ،
وص : 41 المطبعة المحمّدية بمصر ، ومجمع الزوائد : 9 / 164 ، وتاريخ دمشق لابن عساكر : 2 / 45 ح
545 ، وكنز العمّال : 1 / 168 ح 959 الطبعة الأُولى ، وينابيع المودّة : 37 طبع إسلامبول . . . الخ ) .
وحديث السفينة : ( الصواعق المحرقة لابن حجر : 184 المطبعة المحمّدية بمصر ، و 111 - 140
المطبعة الميمنية بمصر ، إسعاف الراغبين للصبّان الشافعي : 109 ، فرائد السمطين : 2 / 246 ، وذخائر
العقبى للطبري الشافعي : 20 ، ومجمع الزوائد : 9 / 168 ، والفتح الكبير للنبهاني : 3 / 133 ، والمستدرك
للحاكم : 2 / 343 ، ومنتخب كنز العمّال بهامش مسند أحمد : 5 / 95 ، وتلخيص المستدرك للذهبي بذيل
المستدرك ، ونظم درر السمطين للزرندي الحنفي : 235 ، وينابيع المودّة : 30 و 370 طبع الحيدرية و 27
و 308 طبع إسلامبول ) .
والوصية والدواة والقرطاس : ( انظر المصادر السابقة ، والمناقب لابن المغازلي : 30 ، والميزان
للذهبي : 2 / 273 ، وشرح الهاشميات لمحمّد محمود الرافعي : 29 الطبعة الثانية شركة التمدّن بمصر ،
والرياض النضرة للطبري الشافعي : 2 / 234 الطبعة الثانية ، وكنز الحقائق للمناوي الشافعي : 130 ) .
وهناك أحاديث عديدة تنصّ على خلافة أمير المؤمنين ( عليه السلام ) عند الشيعة الإمامية ، أعرضنا عنها
للاختصار على الرغم من تواترها عند الفريقين :
أمّا رأي أهل السنّة في الإمامة فإنّها تثبت بالاختيار وبعهد الإمام من قبل ، كما صرّح بذلك :
الماوردي ، والقاضي أبو يعلى في الأحكام السلطانية . كلاهما قالا في كتابيهما : الإمامة تنعقد من
وجهين : أحدهما باختيار أهل الحلّ والعقد . والثاني بعهد الإمام من قبله . انظر الأحكام السلطانية
للقاضي الماوردي : 7 11 وهو من فقهاء الشافعية ، والأحكام السلطانية للشيخ أبي يعلى الفرّاء الحنبلي :
7 / 11 و 20 / 23 ) .
وقد اختلف العلماء فيما بينهم في عدد مَن تنعقد به الإمامة على مذاهب شتّى ، فمنهم من قال : لا
تنعقد إلاّ بجمهور أهل الحلّ والعقد من كلّ بلد ليكون الرضا به عاماً ، والتسليم لإمامته إجماعاً . وهذا
مندفع ببيعة أبي بكر على الخلافة باختيار من حضرها ، ولم ينتظر قدوم الغائب عنها ، لسنا بصدد
المناقشة فيه .
ومنهم من قال : تنعقد بخمسة يجتمعون على عقدها ، أو يعقدها أحدهم برضا الأربعة استناداً لبيعة
أبي بكر لأنها انعقدت بخمسة اجتمعوا عليها ، وهم : عمر بن الخطّاب ، وأبو عبيدة بن الجراح ، وأسيد بن
حضير ، وبشير بن سعد ، وسالم مولى أبي حذيفة ، ولسنا بصدد المناقشة فيه أيضاً .
ومنهم من قال : تنعقد بستّة ; حيث جعل عمر بن الخطّاب الشورى في ستّة ليعقد لأحدهم برضا
الخمسة ، وهذا أيضاً مندفع .
ومنهم من قال : تنعقد بثلاثة يتولاّها أحدهم برضا الاثنين ، ليكونوا حاكماً من جهة وشاهدين من
جهة أُخرى ، كما في عقد النكاح بوليٍّ وشاهدين .
وقالت طائفة : تنعقد الإمامة بواحد .
وقال الفرّاء الحنبلي : إنّها - الإمامة - تثبت بالقهر والغلبة ولا تفتقر إلى العقد .
انظر المراجع والمصادر التالية لكي تقف في المقام على آراء العلماء والفقهاء من أهل السنّة : الأحكام
السلطانية : 7 ، الفصل : 4 / 167 ، ومآثر الإنافة في معالم الخلافة للقلقشندي : الفصل : 13 / 43 ، وج 4 :
169 ، والملل والنحل : 1 / 159 ، ومقالات الإسلاميين : 68 ، ومغني المحتاج : 4 / 131 ، وأُصول الدين
للبغدادي : 281 ، والتمهيد لأبي بكر الباقلاّني تحقيق الخضيري وأبو ريدة : 164 - 239 ط القاهرة
1366 ، والمسامرة في شرح المسايرة : 282 ، وشرح المواقف : 8 / 353 و 400 ، وشرح المقاصد :
5 / 233 ، والإبانة عن أُصول الديانة : 187 الطبعة الأُولى دمشق 1981 ، والشافعي - حياته وعصره
لمحمّد أبي زهرة : 121 الطبعة الثانية القاهرة ، والإرشاد للجويني : 424 ، وجامع أحكام القرآن
للقرطبي : 1 / 269 ، وابن العربي في شرحه لسنن الترمذي : 13 / 229 ، وصحيح مسلم : 6 / 20 ، وسنن
البيهقي : 8 / 158 ، والاقتصاد في الاعتقاد : 97 ، وحاشية الباجوري على شرح الغزّي : 2 / 259 .