فصل
في محبّة الله ورسوله ( صلى الله عليه وآله ) له ( عليه السلام )
وذلك أنّه صحّ النقل في كتب الأحاديث الصحيحة والأخبار الصريحة : عن
أنس بن مالك ( رض ) قال : أُهدي إلى النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) طير مشوي يسمّى الحجل ( 1 ) . وفي
هامش
( 1 ) حديث الطائر المشوي هو أشهر من أن يذكر ، فقد روته جلّ مصادر أهل الشيعة والسنّة ، وقد بلغ سنده
حدّ التواتر ، وقد رواه خمسة وثلاثون رجلا من الصحابة عن أنس عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) . انظر الحديث في
سنن الترمذي : 5 / 300 / 3805 و 595 / 372 و 636 / 3721 وصحيح الترمذي : 2 / 299 . وروي
عن جابر بن عبد الله الأنصاري ، وعن سفينة مولى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وعن عبد الله بن عباس ، وعن عليّ بن
أبي طالب ( عليه السلام ) كلّهم عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) مع أن الواقعة وقعت مرّة واحدة ، لكن مضامين الأحاديث واضحة
التواتر اللفظي والمعنوي .
وتلقى الأصحاب هذا الحديث بالقبول واحتجّ به الإمام عليّ ( عليه السلام ) يوم الشورى . وقد صنّف فيه أهل
الحديث والسير مصنّفات كثيرة وبطرق متعدّدة وذكروا أسماء رواة الحديث حتّى قيل إنهم بلغوا 91 شخصاً
كما ذكر صاحب عبقات الأنوار في المجلد الرابع وعدّ منهم : أبو حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي ، وأحمد بن
محمّد بن حنبل الشيباني ، وعبّاد بن يعقوب الرواحبي ، وغيرهم ، وعدّ 250 كتاباً من كتب أهل السنّة .
ونقل هذا الحديث أيضاً الطبري المفسّر والمؤرخ ( ت 310 ه ) والأنباري ( ت 356 ه ) والحاكم
النيسابوري ( ت 407 ه ) وابن مردويه ( ت 410 ه ) وأبو نعيم الإصفهاني ( ت 430 ه ) ومحمّد بن
أحمد بن عليّ المعروف بابن حمدان ( ت 411 ه ) والذهبي ( ت 748 ) .
أما أسانيد الحديث فقد أورده الترمذي في جامعة وأبو نعيم في حلية الأولياء : 6 / 339 ، والبلاذري
في تاريخه ، والطبري في الولاية ، وأحمد في الفضائل ، والنطنزي في الاختصاص ، وغيرهم .
ورواه الخطيب البغدادي في تاريخه : 3 / 171 و 9 / 369 ، وابن بطّة في الإبانة ، وغيرهم كثير ،
ولسنا بصدد بيان ذلك ، بل ذكرنا ذلك على سبيل المثال لاَ الحصر . ورواه الأصحاب والتابعين عن الإمام
عليّ ( عليه السلام ) ، وعن جابر ، وأنس ، وغيرهم وبطرق مختلفة ، ولكن لرعاية الاختصار نذكر بعضها :
قال الحافظ أبو أحمد عبد الله الجرجاني ( 277 - 365 ه ) في كتابه الكامل في ضعفاء الرجال : 3
ط بيروت : حدّثنا عبد الله بن محمّد بن إبراهيم المروزي . . . حدّثنا خالد بن عبيد هو أبو حسام ، حدّثني
أنس ، قال : بينا أنا ذات يوم عند النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) إذ جاءه رجل بطبق مغطّىً فقال : هل من إذن ؟ قلت : نعم ،
فوضع الطبق بين يدي رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وعليه طائر مشويّ فقال : أُحبّ أن تملأ بطنك من هذا يا رسول الله ،
قال ( صلى الله عليه وآله ) : غطِّ عليه ، ثمّ سأل ربَّه فقال : اللّهمّ أدخل عليَّ أحبّ خلقك إليِّ ينازعني هذا الطعام .
ورواه الترمذي من طريق السدّي ووثّقه : 5 / 636 / 3721 ، والنسائي في الخصائص : 5 ، وصحّحه
الحاكم في المستدرك : 3 / 130 - 131 . وقال : رواه عن أنس أكثر من ثلاثين نفساً ، وصحّحه الذهبي
وألّف جزءً في ما صحّ عنده من طرقه في تذكرة الحفّاظ : 3 / 1043 ، والبغوي في مصابيح السنّة :
4 / 173 / 4770 ، أُسد الغابة : 3 / 608 و 4 / 30 وجامع الأُصول : 9 / 471 ، البداية والنهاية : 7 / 363 .
وقال الخوارزمي في مقتل الحسين : 46 : أخرج ابن مردويه هذا الحديث بمائة وعشرين اسناداً . وقال
سبط ابن الجوزي في تذكرة الخواصّ : 39 : قال الحاكم النيسابوري : حديث الطائر صحيح ، يلزم البخاري
ومسلم إخراجه في صحيحيهما لأنّ رجاله ثقات ، وهو على شرطهما . انظر المستدرك : 3 / 130 .
وذكر حديث الطير ابن عساكر : 2 / 105 و 111 بطرق كثيرة ط بيروت ، والمسعودي في مروج
الذهب : 2 / 425 ، المسترشد في إمامة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب للحافظ محمّد بن جرير
الطبري الإمامي تحقيق الشيخ المحمودي : 336 و 590 ، بناء المقالة الفاطمية في نقض الرسالة العثمانية
لابن طاووس تحقيق السيّد عليّ الغريفي : 292 ط نشر مؤسّسة آل البيت ( عليهم السلام ) لإحياء التراث .
وروى بلفظ اللّهمّ إئتني بأحبِّ خلقك إليك ، يأكلّ معي منه فجاء عليّ ( عليه السلام ) فأكل معه ، تاريخ دمشق
لابن عساكر ترجمة الإمام عليّ : 2 / 111 ، وإحقاق الحقّ : 7 / 452 ، ونحوه في ينابيع المودّة : 203 ،
وتذكرة الخواصّ : 44 وفي لفظ " اللّهمّ ائتني بأحبِّ خلقك يأكلّ معي من هذا الطير " تاريخ دمشق :
2 / 610 .
وفي لفظ آخر " ائتني برجل يحبّه الله ورسوله " كما في المصدر السابق : ح 609 . وفي رواية سفينة
- مهران - مولى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) " أهدت امرأة من الأنصار إلى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) طيراً بين رغيفين .
وفي رواية " طيرين بين رغيفين " كما في تذكرة الخواصّ : 44 ، وفرائد السمطين : 1 / 214 / 167 ،
وتاريخ ابن عساكر : 2 / 133 / 641 .
وفي رواية " أنّ أُمّ سلمة صنعت لرسول الله ( صلى الله عليه وآله ) طيراً أو أضباعاً " بإضافة لفظ " وأوجههم عندك " كما
في تاريخ ابن عساكر : 2 / 110 . وفي رواية " ابعث إليِّ أحبَّ خلقك إليك وإلى نبيّك يأكل معي من هذه
المائدة " كما في المناقب لابن المغازلي الشافعي : 156 ح 198212 و 173 .
وفي رواية " أدخل عليَّ من تحبّه وأُحبّه " كما في تاريخ ابن عساكر : 2 / 124 / 629 ، وذخائر العقبى
للمحبّ الطبري : 61 ، الرياض النضرة : 2 / 160 و 161 ، مجمع الزوائد : 9 / 125 و 126 ، كنز العمّال :
6 / 406 ، كشف اليقين في فضائل أمير المؤمنين ( عليه السلام ) لابن المطهّر الحلّي تحقيق حسين الدرگاهي : 288 ،
عيون أخبار الرضا ( عليه السلام ) : 2 / 187 / 2 . أمالي الصدوق : 521 ، الخصال : 551 ح 30 ، مشكاة المصابيح
للخطيب التبريزي : 3 / 1721 / 6085 ، خصائص أمير المؤمنين للنسائي : 34 ح 12 . المناقب
للخوارزمي : 107 ح 113 - 135 كفاية الطالب : 144 - 156 باب 33 ، مناقب آل أبي طالب : 3 / 59 .
روى أنس بن مالك - كما جاء في مناقب أبي المغازلي : 156 - 175 ، والمناقب للحافظ الكنجي
الشافعي : 144 - قال : أهدي لرسول الله ( صلى الله عليه وآله ) طير فقال : اللّهمّ ، آتني بأحبّ خلقك إليك يأكل معي من هذا
الطير ، فقلت : اللّهمّ ، اجعله رجلا من الأنصار . فجاء عليّ ، فقلت : إنّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) على حاجة ، فذهب ،
ثمّ جاء فقلت له مثل ذلك ، فذهب ، ثمّ جاء فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : افتح ففتحت ، ثمّ دخل ، فقال : ما أخرك
يا عليّ ؟ قال : هذه آخر ثلاث كرات يردّني أنس ، يزعم أنّك على حاجة ، قال : ما حملك على ما
صنعت يا أنس ؟ قال : سمعت دعاءك فأحببت أن يكون في رجل من قومي ، فقال النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) : إنّ الرجل
قد يحبّ قومه ، إنّ الرجل يحبّ قومه .
وعن أنس أيضاً - كما ورد في ذخائر العقبى : 61 - قدّمت امرأة من الأنصار للنبي ( صلى الله عليه وآله ) طيراً فسمّى
وأكل لقمة وقال : اللّهمّ ائتني بأحبّ الخلق إليك وإليَّ فأتى عليّ فضرب الباب [ فقلت : من أنت ؟ قال :
عليّ ] فقلت له : إنّه ( صلى الله عليه وآله ) على حاجة ، ثمّ أكل لقمة وقال مثل ذلك ، فضرب الباب عليّ . [ فقلت : من أنت ؟
قال : عليّ ] فقلت له : إنّه ( صلى الله عليه وآله ) على حاجة . ثمّ أكل لقمة وقال مثل الأُولى ، فضرب عليّ ، فقلت : من
أنت ؟ قال : عليّ ، قلت : إنّ رسول الله على حاجة . ثمّ أكل لقمة وقال مثل ذلك . قال : ثمّ ضرب عليّ
ورفع صوته ، فقال ( صلى الله عليه وآله ) : يا أنس افتح الباب . قال : فدخل عليّ [ فلمّا رآه ( صلى الله عليه وآله ) تبسّم ] وقال لعليّ : الحمد
لله الّذي جعلك ، فانّي أدعو في كلّ لقمة أن يأتيني الله بأحبّ الخلق إليه وإليَّ فكنت أنت . قال عليّ :
والّذي بعثك إنّي ضربت الباب ثلاث مرات ويردّني أنس . فقال ( صلى الله عليه وآله ) لِمَ رددته ؟ قلت : كنت أحبّ أن يأكل
معك رجل من الأنصار . فتبسّم ( صلى الله عليه وآله ) وقال : لاَ يلام الرجل على [ حبّ ] قومه .
وفي بحار الأنوار : 38 / 348 في حديث طويل عن عليّ ( عليه السلام ) قال : كنت أنا ورسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في
المسجد بعد أن صلّى الفجر ، ثمّ نهض ونهضت معه ، فقال لي : أنا متّجه إلى بيت عائشة ، فمضى ، ومضيت
إلى بيت فاطمة ( عليها السلام ) فلم أزل مع الحسن والحسين وهي وأنا مسروران بهما ، ثمّ إنّي نهضت وصرت إلى
باب عائشة ، فطرقت الباب ، فقالت لي عائشة : من هذا ؟ فقلت لها : أنا عليّ . فقالت : إنّ النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) راقد ،
فانصرفت . ثمّ قلت : إن النبيّ راقد وعائشة في الدار ؟ فرجعت وطرقت الباب ، فقالت لي عائشة : من
هذا ؟ فقلت : أنا عليّ ، وهكذا تكررت العملية وفي الثالثة قال ( صلى الله عليه وآله ) : يا عائشة افتحي له الباب . وفي هذا
الحديث أنّ الطير هبط به جبرئيل ( عليه السلام ) وهو أطيب طعام في الجنة .
وفى رواية جابر بن عبد الله الأنصاري - كما جاء في تاريخ دمشق : 2 / 105 / 609 - قال : صنعت
امرأة من الأنصار لرسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أربعة أرغفة وذبحت له دجاجة فطبختها ، فقدّمتها بين يدي النبيّ ( صلى الله عليه وآله )
فبعث رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) إلى أبي بكر وعمر فأتياه ، ثمّ رفع رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يديه إلى السماء ثمّ قال : اللّهمّ سُق
إلينا رجلا رابعاً محبّاً لك ولرسولك ، تحبّه اللّهمّ أنت ورسولك ، فيشركنا في طعامنا وبارك لنا فيه . ثمّ
قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : اللّهمّ اجعله عليّ بن أبي طالب ، فقال : فوالله ما كان بأوشك أن طلع عليّ بن أبي
طالب ، فكبّر رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) .
قال ابن عساكر : هذا حديث غريب والمشهور حديث أنس ، ولسنا بصدد بيان غرابة الحديث وذلك
لأن أبي نعيم في حلية الأولياء : 6 / 339 روى الحديث عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس
قال : بعثتني أُمّ سليم إلى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بطير مشوي ومعه أرغفة من شعير فأتيته به فوضعته بين يديه
فقال : يا أنس ادع لنا من يأكل معنا من هذا الطير ، اللّهمّ آتنا خير خلقك ، فخرجت فلم تكن لي همّة إلاّ
رجل من أهلي آتيه فأدعوه فإذا أنا بعلي بن أبي طالب ( عليه السلام ) فدخلت فقال : أما وجدت أحداً ؟ قلت : لاَ ،
قال : انظر فنظرت فلم أجد أحداً إلاّ علياً ( عليه السلام ) ، ففعلت ذلك ثلاث مرات ثمّ خرجت فرجعت فقلت : هذا
عليّ بن أبي طالب يا رسول الله ، فقال : ائذن له اللّهمّ وإليَّ وإليَّ ، وجعل يقول ذلك بيده وأشار بيده
اليمنى يحرّكها . قال : رواه الجمّ الفغير عن أنس .