- بحار الأنوار جلد : 58 من صفحة 276 سطر 23 إلى صفحة 278 سطر 20 وقيل : محل هذه القوة التجويف الأوسط من الدماغ وآلتها الدماغ كله ، لأنها الرئيس المطلق في الحيوان ، ومستخدمة سائر القوى الحيوانية التي مصدر أكثر أفاعيلها الروح الدماغي ، فيكون كل الدماغ آلة . لكن الأخص بها التجويف الأوسط ، لاستخدامها المتخيلة ، ومحلها مؤخر ذلك التجويف ولا يستلزم كون الشيء آلة القوة كونه محلا لها ، ليلزم توارد القوى على محل واحد كما توهم . الرابع الحافظة وهي للوهم كالخيال للحس المشترك ، ووجه تغايرهما أن قوة القبول غير قوة الحفظ ، والحافظة للمعاني غير الحافظة للصور . والكلام فيه كالكلام في ما تقدم . ويسميها قوم " ذاكرة " إذ بها الذكر ، أعني ملاحظة المحفوظ بعد الذهول ، و " متذكرة " إذ بها التذكر أي الاحتيال لاستعراض الصور بعدما اندرست . ومحلها أول التجويف الآخر من الدماغ . والخامس المتخيلة المركبة للصور المحسوسة الجزئية المتعلقة بها بعضها مع بعض ، والمفصلة بعضها عن بعض . تركيب الصور بالصورة كما في قولك " صاحب هذا اللون المخصوص له هذا الطعم المخصوص " وتركيب المعنى بالمعنى كما في قولك " ما له هذه العدواة له هذه النفرة " وتركيب الصورة بالمعنى كما في قولك " صاحب هذه الصداقة له هذا اللون " وتفصيل الصورة عن الصورة كما في قولك " هذا اللون ليس هذا الطعم " وقس على هذا . وقال بعضهم : هي مرتبة في مقدم التجويف الأوسط من الدماغ ، من شأنها تركيب بعض ما في تركيب بعض ما في الخيال أو الحافظة من الصور والمعاني مع بعض وتفصيل بعضها عن بعض ، فتجمع أجزاء أنواع مختلفة ، كجعلها حيوانا من رأس إنسان وعنق جمل وظهر نمر ، ويفرق أجزاء نوع واحد كإنسان بلا رأس ، ولا يسكن عن فعلها دائما لا نوما ولا يقظة ، وهي المحاكية للمدركات والهيئات المزاجية ، وتنتقل إلى الضد والشبيه ، فما في القوى الباطنة أشد شيطنة منها ، ليس من شأنها أن يكون عملها منتظما ، بل النفس هي التي تستعملها على أي نظام أرادت ، فتسمى عند استعمال النفس إياها بواسطة الوهم بالمتخيلة ، وعند استعمالها إياها بواسطة القوة العقلية بالمفكرة ، بها تستنبط العلوم والصناعات ، وتقتض الحدود الوسطى باستعراض ما في الحافظة . خاتمة قال بعض المحققين : قد علم بالتشريح أن الدماغ بطونا ثلاثة ، أعظمها البطن المقدم ، وأصغرها البطن الأوسط ، وهو كمنفذ من البطن المقدم إلى البطن المؤخر . فآلة الحس المشترك هو الروح المصبوب في مقدم البطن المقدم ، وآلة الخيال هو الروح المصبوب في مؤخره ، ولما كان الوهم سلطان القوى الحسية ومستخدما لسائر القوى الحيوانية كان الدماغ كله آلة له ، وإن كان له اختصاص بآخر التجويف الأوسط . وآلة المتصرفة مقدم التجويف الأوسط ، وآلة الحافظة مقدم التجويف الأخير . وأما مؤخر هذا التجويف فلم يودع فيه شيء من هذه القوى ، إذا لا حارس هناك من الحواس الظاهرة ، فلو أودع فيه شيء من هذه القوى لكثر فيه المصادمات الموجبة لاختلال القوة . قال المحقق الشريف : فانظر إلى حكمة البارىء حيث قدم ما يدرك به الصور الجزئية ، ووضع تحته ما يحفظها ، وأخر ما يدرك به المعاني المنتزعة من تلك صور وقرنه بما يحفظها ، وأقعد المتصرف فيهما بينهما فسبحانه جلت قدرته وعظمت حكمته انتهى - . وهو إشارة إلى ما قيل في تعيين محال تلك القوى بطريق الحكمة والغاية ، من أن الحس المشترك ينبغي أن يكون في مقدم الدماغ ليكون قريبا من الحواس الظاهرة فيكون التأدي إليه سهلا ، والخيال خلفه لأن خزانة الشيء ينبغي أن يكون كذلك .
فقه الطب — صفحة 9749
مساهمون: مركز المعجم الفقهي
ص٩٧٤٩