- عوائد الأيام من صفحة 179 سطر 24 إلى صفحة 181 سطر 4 ( عائدة ) اعلم أنه قد تعلقت الأحكام كثيرة في الكتاب والسنة وكلمات علماء الأمة بالمجنون والسفيه كنفي الحرج والحجر وثبوت الولاية وانتفاء التكاليف وعدم قبول الأقارير ونحو ذلك والناظر في كتب القوم يرى عدم انضباط مصاديق العنوانين كما سيظهر لك في الجملة وتحقيق الحال فيهما من الأمور المهمة فنقول وبالله التوفيق المجنون من ابتلى بمرض الجنون والسفيه من كانت به السفاهة ثم الجنون على ما يظهر من كتب الأطباء وكلماتهم ليس علما لمرض شخصي معين بل هو اسم لجميع الأمراض الدماغية الباعثة لاختلال العقل وفساده ويعبرون عنها بفساد العقل ( والمراد بفساد العقل صح ) أعم من أن يكون الفساد في نفس القوة العاقلة أو في قواها الخادمة لها كالمفكرة والمخيلة وغيرها ولها أنواع مختلفة وآثار متشتتة متفاوتة ومن هنا قيل الجنون فنون وبما ذكرنا من كون الجنون هو فساد العقل صرح في كتب الفقهاء أيضا قال في المسالك وهو أي الجنون يتناول بإطلاقه لجميع أقسامه فإن الجنون فنون والجامع بينها فساد العقل كيف اتفق وقال في الروضة البهية الجنون فنون والجامع لها فساد العقل على أي وجه يكون وقال العلامة في التحرير الجنون هو فساد العقل وقال بعض مشايخنا في شرحه على النافع الجنون وهو فساد العقل المستقر الغير المستند إلى السهو السريع الزوال والإغماء العارض مع غلبة المرة وصرح بذلك غيرهم أيضا وأما السفاهة فهي عبارة عن خفة العقل ونقصانه وعدم كماله بالنسبة إلى عامة أهل المعاش والمحاورات أي بالنسبة إلى العقل المحتاج إليه في طريقة المعاش والمعاملات والمصاحبة مع أهل المحاورات أو العادات كما يشهد به العرف وصرح به اللغويون والمفسرون قال في النهاية الأثيرية السفة في الأصل الخفة وقال الهروي في تفسير قوله سبحانه فإن كان الذي عليه الحق سفيها أي خفيف العقل وفي القاموس السفه محركة وكسحاب وسحابة خفة الحلم ونقصه وفيه أيضا الحلم بالكسر العقل وقال في الصحاح السفه ضد الحلم وأصله الخفة والحركة وقال البيضاوي في قوله تعالى أنؤمن كما آمن السفهاء السفه خفة وسخافة رأي يقتضيهما نقصان العقل والحلم يقابله وقال في قوله سبحانه سيقول السفهاء من الناس أي الذين خفت أحلامهم وقال بعض آخر أيضا السفهاء في هذه الآية بمعنى خفاف العقول وبالجملة كلمات اللغويين والفقهاء متطابقة في تفسير هذين اللفظين بما ذكر من أن الجنون هو فساد العقل وضياعه وخلله واختلاله والسفاهة خفة العقل ورداءته ونقصانه وسخافته والعرف أيضا يساعد ذلك ويدل عليه فإن كل من فسد عقله واختل يحكم أهل العرف بكونه مجنونا وكل من خف عقله وردء يحكمون بكونه سفيها ويحكمون بأنه ليس فاسد العقل ولكنه خفيف العقل وقد صرح المحقق الشيخ علي في مسئلة عدم إجبار السفيه على النكاح بأنه بالغ عاقل وإن أردت معرفة التفرقة بين فساد العقل وخفته ونقصه فقسه بالأمور المحسوسة وإطلاق الفساد والنقص فيها فإن اللؤلؤة إذا خرجت من الصدف فتارة تكون فاسدة ضايعة إما لأجل كونها مسودة أو بحيث يتفتت أجزائها إذا فركت باليد وأخرى يكون غير حسنة نحو أن قل صفائها ونحو ذلك وانظر إلى البطيخة فإنها إذا كانت بحيث خرجت عن طبيعهتا الأصلية وحدث فيها أمر مفسد له كالمرارة أو الديدان أو العواريق انها فاسدة وإذا لم يكن كذلك ولكن كانت أنقص من أمثالها من البطايخ إما لقلة حلاوتها أو قلة لطافتها يقال إنها ناقصة أو ردية سواء كان ذلك النقص لأجل عدم بلوغه أو أن الكمال في أوائل نموه أو لأجل كون ذاته كذلك كالبطايخ الغير الحلوة وما كان من القسم الأول يطرح ولا يكون لها طالب إلا إذا كان فساده قليلا بحيث لا يعبأ به أو يكون بعض أجزائها غير فاسد وما كان من القسم الثاني يحفظونه ويطلبونه وإن نقصت قيمته عن الحلو اللطيف وقل طالبه بالنسبة إليه وبالجملة فساد العقل بأقسامه هو الجنون والمتصف به المجنون إلا إذا كان فسادا قليلا لا يدرك أو لا يلتفت إليه أهل العرف وخفته بالنسبة إلى عقول غالب الناس هو السفاهة إلا إذا كانت الخفة قليلة لا يلتفت إليه في العرف سواء كانت الخفة لأجل عدم بلوغه حد الكمال كالصبيان أو لقصور فيه بالذات كالأبله والأحمق
فقه الطب — صفحة 6320
مساهمون: مركز المعجم الفقهي
ص٦٣٢٠