بقي شئ وهو أن عوام المسلمين يزعمون أن الروح لا تأمر بالشر بل تأمر بالخير
دائما وأما النفس فهي تأمر بالخير والشر ، ولعل وجه هذا الزعم أن القرآن أسند
الشر إلى النفس ولم يسنده إلى الروح ، لكن القرآن لم يفصل القول في الروح الانسانية
كما عرفت ، وما تقدم من الأحاديث المعتبرة يكفي في ضعف الزعم المذكور . وبالجملة : هما
مفهومان لمصداق واحد كما عرفت .
* * وأما الكلام في الجهة الثالثة - وهي دلالة العلم على وجود الروح - فهو طويل
نقتصر فيه هنا على كلام بعض الفضلاء فقط حتى لا يطول بنا المقام :
والمادة التي يتكون منها الدماغ هي عين المادة التي تنشأ منها بقية أعضاء الجسد
ونوع الحياة الذي يتسبب في نشؤ الجميع واحد ، فان أصل الجنين خلية واحدة ثم تتكثر ،
وعليه يلزم أن تكون الوظائف التي تقوم بها مختلف أعضاء الجسم من جنس واحد دون
اختلاف تخصصاتها ، وهي وظائف غير إرادية ولا فكرية ، لأنها اللارادة ، ويستحيل بحسب
سنن الكون وموجوداته ان يتولد - بصورة آلية - المريد غير المريد والمفكر من غير
المفكر . وما قيل من أن الإرادة والفكر والشعور وغيرها من الأنشطة الانسانية
الاختيارية انما تنشأ من الدماغ نتيجة تفاعلات كيميائية وفيزيائية ، غير صحيح ، فان
كل تفاعل لابد له من عامل فهو ان كان خارجيا يلزم استناد إرادته وأفكاره ومشاعره
المختلفة غير اختيارية له ، مع أن الماديين لم يستطيعوا - ولن يستطيعوا - ولا مرة
واحدة ان يضعوا العناصر والمركبات في أنابيب الاختبار ثم يدفعونها بالتأشيرات
المعنوية بدلا من العوامل المادية المعهودة .
الفقه والمسائل الطبية — صفحة 54
مساهمون: الشيخ محمد آصف المحسني
ص٥٤