تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفلسفة — صفحة 128

مساهمون:

ص١٢٨
الثمينةَ ، وأروقَ بمصفاة الفكرِ صَفاها من كدرِها ، وأنخُلَ بمُنخلِ الطبيعةِ لُبابَها عن قشورِها ، وأصنّفَ كتاباً جامعاً لشتاتِ ما وجدتُه في كتبِ الأقدمين ، مشتملاً على خلاصةِ أقوالِ المشّائين ، ونقاوةِ أذواقِ أهلِ الإشراقِ مِن الحكماءِ الرواقيّين ، مع زوائدَ لم توجدْ في كتبِ أهلِ الفنِّ مِن حكماء الأعصارِ ، وفرائدَ لم يجُدْ بها طبعُ أحدٍ مِن علماءِ الأدوارِ ، ولم يسمحْ بمثلِه دوراتُ السماواتِ ولم يشاهَد شبهُه في عالم الحركاتِ . ولكنّ العوائقَ كانتْ تمنعُ من المرادِ ، وعوادي الأيّامِ تضربُ دون بلوغِ الغرضِ بالأسدادِ ، فأقعدني الأيّامُ عن القيامِ ، وحجبني الدهرُ عن الاتّصالِ إلى المرامِ ؛ لما رأيتُ من معاداةِ الدهرِ بتربيةِ الجهلةِ والأرذالِ ، وشعشعةِ نيرانِ الجهالةِ والضلالِ ، ورثاثةِ الحالِ وركاكةِ الرجال . وقد ابتُلينا بجماعةٍ غاربي الفهمِ تعمشُ عيونُهم عن أنوارِ الحكمةِ وأسرارِها ، وتكلُّ بصائرهُم كأبصارِ الخفافيشِ عن أضواءِ المعرفةِ وآثارِها ، يرون التعمّقَ في الأمورِ الربانيّةِ والتدبّرَ في الآياتِ السبحانيّةِ بدعةً ، ومخالفةَ أوضاع جماهيرِ الخلقِ مِن الهمجِ الرعاعِ ضلالةً وخدعةً ، كأنهمُ الحنابلةُ من كتب الحديثِ ، المتشابهُ عندهم الواجبُ والممكنُ والقديمُ والحديثُ ، لم يتعدّ نظرُهم عن طور الأجسامِ ومساميرِها ، ولم يرتقِ فكرُهم عن هذه الهياكلِ المظلمةِ ودياجيرِها ، فحُرِموا لمعاداتهم العلمَ والعرفانَ ، ورفضِهم بالكلّيةِ طريقَ الحكمةِ والإيقانِ ، عن العلوم المقدّسةِ الإلهيةِ ، والأسرارِ الشريفةِ الربانيةِ ، التي رمزتْ الأنبياءُ والأولياءُ عليها ، وأشارتْ الحكماءُ والعرفاءُ إليها ، فأصبحَ الجهلُ باهرَ الراياتِ ، ظاهرَ الآيات ، فأعدموا العلمَ وفضلَه ، واسترذَلوا العرفانَ
الفلسفة — صفحة 128 | السيد كمال الحيدري / الشيخ قيصر التميمي