ونحن حين نخرج من نطاق المقارنة بين هذه المناهج الاقتصادية في محتواها
الفكري والمذهبي ، إلى المقارنة بينها في قابليتها التطبيقية لإعطاء إطار للتنمية
الاقتصادية ، يجب أن لا نقيم مقارنتنا على أساس المعطيات النظرية لكل واحد من
تلك المناهج فحسب ، بل لا بد أن نلاحظ بدقة الظروف الموضوعية للأمة وتركيبها
النفسي والتأريخي ، لأن الأمة هي مجال التطبيق لتلك المناهج ، فمن الضروري أن
يدرس المجال المفروض للتطبيق وخصائصه وشروطه بعناية ، ليلاحظ ما يقدر لكل
منهج من فاعلية لدى التطبيق ، كما أن فاعلية الاقتصاد الحر الرأسمالي أو التخطيط
الاشتراكي في تجربة الإنسان الأوروبي ، لا تعني حتما أن هذه الفاعلية نتيجة للمنهج
الاقتصادي فحسب لكي تتوفر متى اتبع نفس المنهج ، بل قد تكون الفاعلية ناتجه عن
المنهج باعتباره جزءا من كل مترابط وحلقة من تأريخ ، فإذا عزل المنهج عن إطاره
وتأريخه لم تكن تلك الفاعلية ولا تلك الثمار .
ومن خلال دراسة مقارنة للمذاهب الاقتصادية المتعددة وإمكانات نجاحها عمليا
في العالم الإسلامي ، يجب إبراز حقيقة أساسية يرتبط بها تقدير الموقف إلى درجة
كبيرة وهي : أن حاجة التنمية الاقتصادية إلى منهج اقتصادي ليست مجرد حاجة إلى
إطار من أطر التنظيم الاجتماعي تتبناه الدولة فحسب ، لكي يمكن أن توضع التنمية
ضمن هذا الإطار أو ذاك ، بمجرد تبني الدولة له والتزامها به ، بل لا يمكن للتنمية
الاقتصادية والمعركة ضد التخلف ، أن تؤدي دورها المطلوب إلا إذا اكتسبت إطارا
يستطيع أن يدمج الأمة ضمنه وقامت على أساس يتفاعل معها ، فحركة الأمة كلها
شرط أساسي لإنجاح أي تنمية وأي معركة شاملة ضد التخلف ، لأن حركتها تعبير
عن نموها ونمو إرادتها وانطلاق مواهبها الداخلية ، وحيث لا تنمو الأمة لا يمكن أن
تمارس عملية تنمية ، فالتنمية للثروة الخارجية والنمو الداخلي للأمة يجب أن يسيرا
في خط واحد .
وتجربة الإنسان الأوروبي الحديث هي بالذات تعبير تأريخي واضح عن هذه
الحقيقة . فإن مناهج الاقتصاد الأوروبي كإطارات لعملية التنمية ، لم تسجل نجاحها
اقتصادنا — صفحة 30
مساهمون: السيد محمد باقر الصدر
ص٣٠