وقال في ذيل قوله : ( وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظ ( « أي حافظ لكلّ شيء ولآثاره وأحواله ، أو كتاب ضابط للحوادث محفوظ عن التغيير والتحريف ، وهو اللوح المحفوظ الذي فيه كلّ ما كان وما يكون وما هو كائن إلى يوم القيامة » ( 1 ) . فالكتاب المكنون موجود قبل الوجودات الإمكانيّة ومعها وبعدها ، كما هو الحال في صورة العمارة المرسومة في ذهن المهندس ، فهي موجودة قبل البناء ومعه وبعده ، بل هي موجودة وإن انهدم البناء في الخارج . وبذلك يتّضح أنّ الكتاب المبين ليس هو الكتاب التكويني ، أي أعيان الأشياء ومادّتها ، لأنّ هذه الأعيان متبدّلة متغيّرة تبعاً لقانون الحركة ، أمّا ذلك الكتاب فهو نحو كتاب ثابت لا يناله التبدّل والتغيّر .
الخصوصيّة الثالثة : لا يناله شيء من الخطأ والنسيان
وهذا ما تقتضيه وتؤكّده الآيات المتقدِّمة التي أشارت إلى أنّه محفوظ ، كما في قوله تعالى : ( قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى ( ( طه : 52 ) ، فلا مجال فيه للنسيان أو الضلالة أو الخطأ والسهو . قال الطباطبائي : « وقوله ( فِي كِتَابٍ ( ليؤكّد به أنّه مثبت محفوظ من غير أن يتغيّر عن حاله ، وقد نكّر الكتاب ليدلّ به على فخامة أمره من جهة سعة إحاطته ودقّتها ، فلا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلاّ أحصاها » ( 2 ) .