خوارج البصرة أكثر عدداً :
وعلى هذا الأساس أيضاً يمكن تفسير ظاهرة قلة الخوارج في منطقة الكوفة بالنسبة إلى خوارج البصرة . فإن أهل البصرة كانوا يعانون من عقدة ما جرى لهم في حرب الجمل ، التي سجل فيها علي « عليه السلام » نصراً ساحقاً وحاسماً ، وكانت لهم فيها هزيمة قبيحة وفاضحة ومنكرة .
والبصريون أيضاً لم يعيشوا مع علي ، ولا عرفوا الكثير عنه ، وعن مبادئه ، ومواقفه ، وسلوكياته .
خوارج الكوفة أكثر استعداداً للحوار :
والظاهرة التي نلمح إليها بصورة عابرة هنا هي :
أن خوارج الكوفة - بفعل تأثير علي عليه الصلاة والسلام فيهم أيضاً كانوا - فيما يظهر - أكثر استعداداً للحوار ، وأكثر تفاعلاً معه .
فلا عجب إذن ، إذا كثر فيهم الراجعون إلى أمير المؤمنين « عليه السلام » ، والمتراجعون عن مواقفهم منهم . أو الشاكون والمترددون بعد حوار موضوعي بنّاء ومقنع ، بخلاف حال خوارج منطقة البصرة الذين كانوا أكثر اندفاعاً نحو الجريمة وأشد امعاناً في اللجاج والعناد .
ومهما يكن من أمر ، فإن البصرة والكوفة كانتا معقلهم الأساس في بداية ظهورهم ، ثم إنهم كثروا بعد ذلك ، وظهروا في مناطق مختلفة ، ثم انحسروا ليستقر بهم الأمر في مناطق بعيدة عن مراكز القرار ، غرباء عن مواقع الحركة السياسية والحضارية ، والثقافية ، حتى كان آخرهم لصوصاً سلابين على حد تعبير أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام .