تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 30

مساهمون:

ص٣٠
وفيها من عجيب الالتفات الالتفات من الخطاب إلى الغيبة في قوله :
وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ
- إلى قوله -
بِغَيْرِ الْحَقِّ
ولعل النكتة فيه ارجاعهم إلى الغيبة وتوجيه الخطاب إلى النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم ووصف أعجب جزء من هذه القصة الموصوفة له ليسمعه ويتعجب منه ، ويكون فيه مع ذلك اعراض عن الامر بمخاطبتهم لأنهم لا يفقهون القول . قوله تعالى :
فَلَمَّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ
أصل البغي هو الطلب ويكثر استعماله في مورد الظلم لكونه طلبا لحق الغير بالتعدي عليه ويقيّد حينئذ بغير الحق ، ولو كان بمعنى الظلم محضا لكان القيد زائدا . والجملة من تتمة الآية السابقة ، والمجموع اعني قوله :
هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ
- إلى قوله -
بِغَيْرِ الْحَقِّ
بمنزلة الشاهد والمثال بالنسبة إلى عموم قوله قبله :
« وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ »
إلى آخر الآية ، أو لخصوص قوله :
قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً
وعلى اي حال فقوله :
يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ
الخ ؛ مما يتوقف عليه تمام الغرض من الكلام في الآية السابقة وان لم يكن من كلام النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم فافهم ذلك . قوله تعالى :
يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ
إلى آخر الآية ؛ في الكلام التفات من الغيبة إلى الخطاب فقوله :
« يا أَيُّهَا النَّاسُ »
الخ ؛ خطاب منه تعالى للناس بلا واسطة ، وليس من كلام النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم مما امره اللّه سبحانه ان يخاطب به الناس . والدليل على ذلك قوله تعالى :
ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ
إلى آخر الآية ؛ فإنه لا يصلح ان يكون من خطاب النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم . والنكتة في هذا الالتفات هي نظير النكتة التي قدّمنا ذكرها في قوله تعالى في أول الكلام :
« إِنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ »
فكأنه سبحانه يفاجئهم بالاطلاع عليهم أثناء ما يخاطبهم النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم وهم يحسبون ان ربهم غائب عنهم غافل عن نيّاتهم ومقاصدهم في اعمالهم
مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 30 | إلياس الكلانتري / السيد محمدحسين الطباطبائي