المصالح والمفاسد التي يستكشفها العقل
من غير حاجة إلى تشريع .
ثانيهما : المصالح والمفاسد الثابتة بعد التشريع ; أي التي لا يمكن استكشافها إلاّ من خلال التشريع .
استناداً لذلك يمكن مناقشة هذا التقريب بعدّة ملاحظات :
الأولى : إن كان المراد من المصالح الفائتة هي المصالح الثابتة في طول التشريع فإنّ ذلك غير متصوّر ، ببيان :
أنّ المكلّف إذا أحرز الحكم الواقعي عمل به ، وإلاّ انتقلت وظيفته إلى العمل بالحكم الظاهري ، وقد تقدّم عدم تفويت المصلحة والإلقاء في المفسدة في هذه الحالة وذلك بما ذكرناه في مبحث الجمع بين الحكم الظاهري والواقعي ، وإن كان المراد المصالح والمفاسد الثابتة قبل التشريع ، فهذا منتقض بأنّ قاعدة اللطف لا تقرّر أنّ كلّ ما فيه مصلحة لا بدّ أن يوصله المولى سبحانه إلى المكلّف مباشرةً ، بل يمكن للمولى أن يوصله إلى تلك المصالح ويجنّبه الوقوع في المفاسد بشكل غير مباشر ، وذلك من خلال تهيئة المقدّمات المتمثّلة
بالتجربة الإنسانيّة وقدرات العقل البشري على الاستكشاف .
فإنّه لا يخفى أنّ العناية الإلهيّة مثلاً لم تتدخّل في كثير من الأمراض التي كانت تفتك بالبشريّة في الماضي ، ولكن تمّ بعد ذلك التخلّص من هذه الكوارث وغيرها من خلال اكتشاف العلاجات والأدوية القادرة على رفعها ، وبالتأمّل في تاريخ الحياة الإنسانيّة نجد أنّ كثيراً من المصالح لم يبيّنها الله سبحانه من خلال الوحي والعناية الإلهيّة المباشرة ، وإنّما أوكل معرفتها والوصول إليها إلى التجربة الإنسانية ، وإذا أمكن ذلك في باب التكوين أمكن أيضاً في باب التشريع ، أي أنّ الشارع يرى أنّ الأمّة
الظن — صفحة 381
مساهمون: محمود نعمة الجياشي
ص٣٨١