أحدهما : خزائن الأموال ، قاله الضحاك ، والزجاج .
والثاني : خزائن الطعام فحسب ، قاله ابن السائب . قال الزجاج : وإنما سأل ذلك ، لأن
الأنبياء بعثوا بالعدل ، فعلم أنه لا أحد أقوم بذلك منه ، وفي قوله تعالى : ( إني حفيظ عليم ) ثلاثة
أقوال :
أحدها : حفيظ لما وليتني ، عليم بالمجاعة متى تكون ، قاله أبو صالح عن ابن عباس .
والثاني : حفيظ لما استودعتني ، عليم بهذه السنين ، قاله الحسن .
والثالث : حفيظ للحساب ، عليم بالألسن ، قاله السدي ، وذلك أن الناس كانوا يردون على
الملك من كل ناحية فيتكلمون بلغات مختلفة .
واختلفوا ، هل ولاه الملك يومئذ ، أم لا ؟ على ثلاثة أقوال :
أحدها : أنه ولاه بعد سنة ، روى الضحاك عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :
" رحم الله أخي يوسف ، لو لم يقل : اجعلني على خزائن الأرض ، لاستعمله من ساعته ، ولكنه
أخر ذلك سنة " . وذكر مقاتل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لو أن يوسف قال إني حفيظ عليم إن شاء
الله ، لملك من وقته " . قال مجاهد : أسلم الملك على يد يوسف . وقال أهل السير : أقام
في بيت الملك سنة ، فلما انصرمت ، دعاه الملك ، فتوجه ، ورداه بسيفه ، وأمر له بسرير من
ذهب ، وضرب عليه كلة من إستبرق ، فجلس على السرير كالقمر ، ودانت له الملوك ، ولزم الملك
بيته ، وفوض أمره إليه ، وعزل قطفير عما كان عليه ، وجعل يوسف مكانه ، ثم إن قطفير هلك في
تلك الليالي ، فزوج الملك يوسف بامرأة قطفير ، فلما دخل عليها ، قال : أليس هذا خيرا مما
تريدين ؟ فقالت : أيها الصديق لا تلمني ، فإني كنت امرأة حسناء في ملك ودنيا ، وكان صاحبي لا
يأتي النساء ، فغلبتني نفسي ، فلما بنى بها يوسف وجدها عذراء ، فولدت له ابنين ، إفراييم ،
وميشا ، واستوسق له ملك مصر .
والقول الثاني : أنه ملكه بعد سنة ونصف ، حكاه مقاتل عن ابن عباس .
والثالث : أنه سلم إليه الأمر من وقته ، قاله وهب ، وابن السائب . فإن قيل : كيف قال
يوسف : ( إني حفيظ عليم ) ولم يقل : إن شاء الله ؟ فعنه ثلاثة أجوبة :
أحدها : أن ترك الاستثناء أوجب عقوبة بأن أخر تمليكه ، على ما ذكرنا عن النبي صلى الله عليه وسلم .
والثاني : أنه أضمر الاستثناء ، كما أضمروه في قولهم : ( ونمير أهلنا ) .
والثالث : أنه أراد أن حفظي وعلمي يزيدان على حفظ غيري وعلمه ، فلم يحتج هذا
إلى الاستثناء ، لعدم الشك فيه ، ذكر هذه الأقوال ابن الأنباري . فإن قيل : كيف مدح نفسه بهذا
القول ، ومن شأن الأنبياء والصالحين التواضع ؟
زاد المسير في علم التفسير — صفحة 185
مساهمون: ابن الجوزي
ص١٨٥