نزلنا على أن المقام ثلاثة
فطابت لنا حتى أقمنا بها شهرا
فبينا أنا يوما في بعض أسواقها إذ طلع رجل بركوة قد اعتضدها « 1 » ، وعصا قد اعتمدها ، ودنيّة قد تقلَّسها ، وفوطة قد تطيلسها ؛ فرفع عقيرته وقال : اللهم يا مبدئ الأشياء ومعيدها ، ومحيى العظام ومبيدها ، وخالق المصباح ومديره ، وفالق الإصباح ومنيره ، وموصل الآلاء سابغة إلينا ، وممسك السماء أن تقع علينا ، وبارئ النّسم أزواجا ، وجاعل الشمس سراجا ، والسماء سقفا ، والأرض فراشا ، وجاعل الليل سكنا والنهار معاشا ، ومنشىء السحاب ثقالا ، ومرسل الصواعق نكالا ، وعالم ما فوق النجوم ، وما تحت التخوم . أسألك الصلاة على سيد المرسلين محمد وآله الطاهرين ، وأن تعيننى على الغربة أثنى حبلها ، وعلى العسرة أعدو ظلَّها ، وأن تسهّل لي على يدي من فطرته الفطرة ، وأطلعته الطَّهرة ، وسعد بالدّين المتين ، ولم يعم عن الحق المبين ، راحلة تطوى هذا الطريق ، وزادا يسعني والرفيق .
قال عيسى بن هشام : فناجيت نفسي بأن هذا الرجل أفصح من إسكندرّينا أبى الفتح ، والتفتّ لفتة ، فإذا هو أبو الفتح . فقلت : يا أبا الفتح ، بلغ هذه الأرض كيدك ، وانتهى إلى هذا الشّعب صيدك ؟ ! فأنشأ يقول :
أنا جوّالة البلا
د وجوّابة الأفق
أنا خذروفة الزما
ن وعمّارة الطَّرق
لا تلمني لك الرشا
د على كديتى وذق
وقال الطرماح بن حكيم :
وما أنس م الأشياء لا أنس بيعة
من الدهر إذ أهل الصفاء جميع
هامش
« 1 » ركوة : وعاء يجمع فيه ما بحصله ، واعتضدها : جعلها في عضده ( م )