قال الأصمعي : سمعت أعرابيا يعظ رجلا وهو يقول : ويحك ! إنّ فلانا وإن ضحك إليك ، فإنه يضحك منك ، ولئن أظهر الشفقة عليك ، إنّ عقاربه لتسرى إليك ؛ فإن لم تتخذه عدوّا في علانيتك ، فلا تجعله صديقا في سريرتك .
سمع أعرابىّ رجلا يقع في السلطان ، فقال : إنك غفل لم تسمك التجارب ، وفى النصح لسع العقارب ، كأني بالضاحك إليك ، وهو باك عليك .
وحذّر بعض الحكماء صديقا له صحبه رجل ، فقال : احذر فلانا فإنه كثير المسألة ، حسن البحث ، لطيف الاستدراج ، يحفظ أول كلامك على آخره ، ويعتبر ما أخّرت بما قدّمت ، فلا تظهرنّ له المخافة فيرى أن قد تحرّزت ؛ واعلم أنّ من يقظة الفطنة إظهار الغفلة مع شدة الحذر ، فباثثه مباثّة الآمن ، وتحفّظ منه تحفظ الخائف ؛ فإنّ البحث يظهر الخفىّ الباطن ، ويبدى المستكنّ الكامن .
أتى أعرابىّ رجلا لم يكن بينه وبينه حرمة في حاجة له ، فقال : إني امتطيت إليك الرجاء ، وسريت على الأمل ، ورافقت الشكر ، وتوسّلت بحسن الظن ، فحقق الأمل ، وأحسن المثوبة ، وأكرم الصّفد « 1 » ، وأقم الأود « 2 » ، وعجّل السّراح « 3 » .
قال الأصمعي : وسمعت أعرابيا يقول : إذا ثبتت الأصول في القلوب ، نطقت الألسنة لفروع ! واللَّه يعلم أنّ قلبي لك شاكر ، ولساني ذاكر ، ومحال أن يظهر الودّ المستقيم ، من الفؤاد السقيم .
ومدح أعرابي رجلا ، فقال : إنه ليغسل من العار وجوها مسودّة ، ويفتح من الرأي أبوابا منسدّة .
وقال أعرابي :
كم قد ولدتم من رئيس قسور
دامى الأظافر في الخميس الممطر
سدكت أنامله بقائم مرهف
[ وبنشر فائدة وجذوة منبر
هامش
« 1 » الصفد : العطاء ، وهو بفتح الصاد والفاء جميعا ( م )
« 2 » الأود - بالتحريك - الاعوجاج ( م )
« 3 » السراح : الفكاك ( م )