تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهر الآداب وثمر الألباب — صفحة 672

مساهمون:

ص٦٧٢
خصّ اللَّه بها الإنسان ، وشرّفه بها على سائر أصناف الحيوان ، ومركبا لآلة قد تقدّمت كلّ آلة ، وحكمة سبقت في الإنسان كلّ حكمة ، وقواما لهندسة عقلية ، ومصدرا لعقل العاقل ، وجهل الجاهل . الناقل إلينا حكم الأولين ، وحاملها عنا إلى الآخرين ، الحافظ علينا أمر الدنيا والدين ، أول شئ خلقه اللَّه بأمره وسبّحه ، ومجّده وحمده وسجد له ، فكان له فرسان خلق لهم ، وكنت عميدهم ، وأقران قصر عليهم ، وأنت صنديدهم ، وميدان كنت زينه ، ومضمار كنت عينه ، وحلية كنت سابقها ومعجزها ، وغاية كنت مالكها ومحرزها ، ورمت بي الأيام إلى معدنه الذي كلفت به وعنيت بطلبه ، فانفردت منه بقدح فذّ أوحد ، فرد في مثبته ، قد ساعدت عليه السعود في فلك البروج حولا كاملا ، مختلف يؤلَّفه أركانها وطباعها ، ومتباين أنوائها وأنحائها ، وتؤيده بقواها وجواهرها ، حتى غذته عرقا في الثرى معرقا ، وأرضعته ناجما ، وسقته مكعبا ، وأروته مقصبا ، وأظمأته مكتهلا ، ولوحته مستحصدا ، وجللته بهاءها ، وألقت عليه عنوانها ، وأودعته أعراقها وأوراقها وأخلاقها ، حتى إذا شق بازله ، ورقّت شمائله ، وابتسم من غشائه ، ونادى من لحائه ، وتعرى « 1 » عن خز المصيف ، بانقضاء الخريف ، وانكشف عن لون البيض المكنون ، والصدف المخزون ، ودر البحار ، وفتات الجمار ، دعا منه نفق العاج بنقبة الديباج ، وقميص الدرر بطراز النساج ، فاجتمعت له زينة الأيدي البشرية ، إلى الأيدي العلوية ، والأنساب الأرضية ، إلى الأنساب السماوية ، فلما قادته السعادة إلىّ ، ورأيته نسيج وحده في الأقلام ، رأيت أولى الناس به نسيج وحده في الأنام ، فآثرتك به مؤثرا للصنيعة ؛ عالما أن زين الجياد فرسانها ، وزين السيوف أقرانها ، وزين بزة لابسها ، وزين أداة ممارسها ،
هامش
« 1 » في نسخة « وتفرى عنه » .
زهر الآداب وثمر الألباب — صفحة 672 | زكي مبارك / إبراهيم بن علي الحصري القيرواني / محمد محي الدين عبد الحميد