العظمى ، والمصيبة الكبرى ، التي هي بيضة العقر « 1 » ، ويتيمة الدهر ، ومدى المصائب ، ومنتهى النوائب ، فكل مصيبة بعدها جلل عندها « 2 » ، ولذلك قال صلى اللَّه عليه وسلم : لتعزّ المسلمين في مصائبهم المصيبة بي .
[ حال الصحابة عندما بلغهم موت الرسول ]
وكان عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه ممن كذّب بموته ، وقال : ما مات ، وليرجعنّه اللَّه ، فليقطعنّ أيدي المنافقين وأرجلهم ، يتمنون لرسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم الموت ؛ وإنما واعده ربه كما واعد موسى ، وهو يأتيكم .
وأما عثمان رضي اللَّه عنه فكان ممن أخرس ؛ فجعل لا يكلَّم أحدا ، فيؤخذ بيده ويجاء به فينقاد .
وأما على رضي اللَّه عنه فلبط بالأرض « 3 » فقعد ولم يبرح البيت حتى دخل أبو بكر ، وهو في ذلك جلد العقل والمقالة « 4 » ، فأكبّ عليه ، وكشف عن وجهه ومسخه ، وقبّل جبينه ، وبكى بكاء شديدا ، وقال الكلام الذي قدّمته .
[ خطبة أبي بكر يوم موت الرسول ]
ولما خرج إلى الناس وهم في شديد غمراتهم ، وعظيم سكراتهم ، قام فخطب خطبة جلها الصلاة على النبي صلى اللَّه عليه وسلم ، قال فيها : أشهد أن لا إله إلَّا اللَّه وحده لا شريك له ، وأشهد أنّ سيدنا محمدا عبده ورسوله ، وأشهد أن الكتاب كما نزل وأن الدين كما شرع ، وأنّ الحديث كما حدث ، وأن القول كما قال ، وأن اللَّه هو
هامش
« 1 » بيضة العقر : مثل للحادث الذي يندر أن يتكرر ، وهي في الأصل بيضة الدجاجة التي لا تبيض بعدها ، والذي في الأصل « بيضة العصر » وهو تحريف .
« 2 » جلل : من أسماء الأضداد ، ويطلق على الأمر العظيم كما يطلق على الأمر الصغير ، ومن أمثلة إطلاقه على الأمر الخطير قول الشاعر :قومي هم قتلوا أميم أخي
فإذا رميت يصيبني سهمى
فلئن عفوت لأعفون جللا
ولئن ضربت لأوهنن عظمىوالمراد هنا المعنى الثاني ، وهي الحقير من الأمور ؛ لأنه يقصد أن كل مصيبة تهون وتحتقر بعد المصيبة الكبرى بموت الرسول ( م ) .
« 3 » لبط بالأرض ، ولبط به : سقط من قيام كأنما صرع . والعبارة الثانية بصيغة المفعول
« 4 » جلد : ثابت .