يكفى قليل كلامه ، وكثيره
ثبت ، إذا طال النّضال ، مصيب « 1 »
وأنشد أبو العباس محمد بن يزيد المبرّد « 2 » ولم يسمّ قائله ، وهو مولَّد ولم ينقصه توليده من حظَّ القديم شيئا :
طبيب بداء فنون الكلام
لم يعى يوما ولم يهذر
فإن هو أطنب في خطبة
قضى للمطيل على المنزر « 3 »
وإن هو أوجز في خطبة
قضى للمقلّ على المكثر
وقال آخر يصف خطيبا :
فإذا تكلَّم خلته متكلَّما
بجميع عدّة ألسن الخطباء
فكأن آدم كان علَّمه الَّذى
قد كان علَّمه من الأسماء
وكان أبو داود يقول : تلخيص المعاني رفق ، والاستعانة بالغريب عجز ، والتشدق في الإعراب نقص ، والنظر في عيون الناس عيّ ، ومسّ اللحية هلك ، والخروج عما بنى عليه الكلام إسهاب .
وقال بعضهم يهجو رجلا بالعى :
ملىء ببهر والتفات وسعلة
ومسحة عثنون وفتل الأصابع « 4 »
ووصف العتابي « 5 » رجلا بليغا فقال : كان يظهر ما غمض من الحجّة ،
هامش
« 1 » ثبت : متثبت
« 2 » كان المبرد إمام العربية ببغداد في زمانه ، وكان فصيحا بليغا مفوها صاحب نوادر وظرف ، وكان جميلا ، لا سيما في صباه ، ولما صنف المازني كتاب الألف واللام سأل المبرد عن دقيقه وعويصه ، فأجابه بأحسن جواب ، فقال له : قم فأنت المبرد ، بكسر الراء ، أي المثبت للحق ، فغيره الكوفيون وفتحوا الراء . ولد في سنة 210 وتوفى سنة 285
« 3 » المنزر : المقل .
« 4 » البهر : تتابع النفس وانقطاعه من الإعياء . والعثنون : اللحية .
« 5 » العتابي : هو كلثوم بن عمرو . أصله من الشام من أرض قنسرين ، صحب البرامكة ، ثم صحب طاهر بن الحسين وعلي بن هشام القائدين ، وكان حسن الاعتذار في رسائله وشعره ، يشبه في المحدثين بالنابغة في الجاهلية . ومن جيد شعره قوله في جعفر بن يحيى وقد كان بلغ الرشيد عنه ما أهدر به دمه فخلصه جعفر :ما زلت في غمرات الموت مطرحا
يضيق عنى فسيح الرأي من حيلى
فلم تزل دائبا تسعى بلطفك لي
حتى اختلست حياتي من يدي أجلىوكانت وفاة العتابي سنة 220