ثمّ نفى لما اعتقدوا من أنّ الوحي والرسالة والنبوّة من خواصّ الملائكة الَّذين لا يحتاجون إلى الطعام ، ولا يليق بحالهم الموت ، فقال : * ( وما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وما كانُوا خالِدِينَ ) * أي : ما أخرجناهم عن حدّ البشريّة ولوازمها بالوحي وإعطاء النبوّة .
وقيل : هذا جواب لقولهم : * ( ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ) * « 1 » و * ( ما كانُوا خالِدِينَ ) * تأكيد وتقرير له ، فإنّ التعيّش بالطعام من توابع التحليل المؤدّي إلى الفناء .
وتوحيد الجسد لإرادة الجنس . أو لأنّه مصدر في الأصل . أو على حذف المضاف ، أي : ذوي جسد . وهو جسم ذو لون ، ولذلك لا يطلق على الماء والهواء . ومنه :
الجساد للزعفران . وقيل : جسم ذو تركيب ، لأنّ أصله لجمع الشيء واشتداده .
* ( ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ ) * أي : في الوعد . مثل : * ( واخْتارَ مُوسى قَوْمَه ) * « 2 » أي :
من قومه . والمعنى : أنجزنا ما وعدناهم به من النصر والظهور على الأعداء .
* ( فَأَنْجَيْناهُمْ ) * من كيد أعدائهم * ( ومَنْ نَشاءُ ) * وأنجينا المؤمنين بهم ، ومن في إيقائه حكمة ، كمن سيؤمن هو أو أحد من ذرّيّته . ولذلك حميت العرب من عذاب الاستئصال .
* ( وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ ) * على أنفسهم ، بتكذيبهم الأنبياء وسائر معاصيهم . وهذا تخويف لكفّار قريش .
لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيه ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ ( 10 )
ثمّ ذكر نعمته على العباد بإنزال القران ، فقال : * ( لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ ) * يا قريش * ( كِتاباً ) * يعني : القرآن * ( فِيه ذِكْرُكُمْ ) * شرفكم وصيتكم ، كما قال : * ( وإِنَّه لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ ) * « 3 » . أو فيه موعظتكم وما تحتاجون إليه من أمر دينكم ودنياكم . أو فيه مكارم
هامش
( 1 ) الفرقان : 7 .
( 2 ) الأعراف : 155 .
( 3 ) الزخرف : 44 .