للرحمة ، فقال : * ( إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّه ) * أي : إنّما التوبة واجبة على اللَّه تعالى بمقتضى وعده - كرما وتفضّلا - من تاب عليه إذا قبل توبته * ( لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ) * متلبّسين بها ، أي : جاهلين سفهاء ، لأنّ ارتكاب القبيح ممّا يدعو إليه السفه والشهوة ، ولا يدعو إليه العقل والحكمة .
وعن أبي عبد اللَّه عليه السّلام : « كلّ ذنب عمله العبد وإن كان عالما به ، فهو جاهل حين خاطر بنفسه في معصية ربّه ، فقد حكى اللَّه تعالى قول يوسف لإخوته : * ( هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأَخِيه إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ ) * « 1 » ، فنسبهم إلى الجهل لمخاطرتهم بأنفسهم في معصية اللَّه تعالى » .
فارتكاب الذنب سفه وتجاهل ، ولذلك قيل : من عصى اللَّه فهو جاهل حتى ينزع عن جهالته .
* ( ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ ) * من زمان قريب ، أي : قبل حضور الموت ، لقوله تعالى : * ( حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ ) * « 2 » . وقوله عليه السّلام : « إن اللَّه يقبل توبة عبده ما لم يغرغر » « 3 »
، كما
ورد في كتاب من لا يحضره الفقيه أنّ رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم قال في آخر خطبة خطبها : « من تاب قبل موته بسنة تاب اللَّه عليه . ثم قال : وإنّ السنة لكثيرة ، من تاب قبل موته بشهر تاب اللَّه عليه . ثم قال : وإنّ الشهر لكثير ، من تاب قبل موته بيوم تاب اللَّه عليه . ثم قال : وإنّ يوما لكثير ، من تاب قبل موته بساعة تاب اللَّه عليه . ثم قال : وإنّ الساعة لكثير ، من تاب وقد بلغت نفسه إلى هذه - وأهوى بيده إلى حلقه - تاب اللَّه عليه » « 4 » .
وروى الثعلبي بإسناده عن عبادة بن الصامت ، عن النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم هذا الخبر
هامش
( 1 ) يوسف : 89 .
( 2 ) النساء : 18 .
( 3 ) غرغر الرجل : صات صوتا معه بحح ، وجاد بنفسه عند الموت .
( 4 ) الفقيه 1 : 79 ح 354 .