وشباب هؤلاء القوم تعرض لهم أوجاع الرئة وأسقام تخثر عقولهم ، وأما
الشيوخ ، فإنه تعرض لهم حمى اللهبية يدل على تحرقهم يبس بطونهم ، وأما
نساؤهم ، فيعرض لهن أنواع الورم من قبل بلغم أبيض ، فلا يحبلن إلا بعد
عسر ، ولا يلدن إلا بمشقة ، ويكون أولادهن عظاما ، وكلما عزلوا هزلوا
ودقوا ، ويعرض للصبيان أدرة ، وللرجال سقم وقروح في سوقهم ، ولا تكون
الأعمار فيها طويلة ، ويدخل عليهم الكبر سريعا في ضمن الأزمان ، وربما
أصاب النساء ما يتوهمن انه حبل ثم يبطل .
ومياه العيون النابعة من بعض الصخور ردية لأنها خاشنة ، والعيون النابعة
من أرض حارة ، ومن أرض معادن الحديد والنحاس والفضة والذهب والكبريت
والشب والزفت والنطرون ، فإن هذه كلها إنما تكون من شدة الحرارة ،
فلا تكون من هذه الأرضين مياه نافعة مصلحة بل تكون عامتها خاشنة ، يعرض
منها ومن شربها عسر البول ، وشدة الاختلاف .
والمياه التي تنصب عن مواضع مشرفة ، ومن تلال ترابية ، أفضل المياه
وأصحها ، وهي حلوة لا تحتاج لكثرة مزاج الشراب ، وتكون في الشتاء حارة ،
وفي الصيف باردة ، فهذه حالة المياه النابعة من العيون الغائرة .
وخير هذه المياه السائلة من أفق الشمس ، ولا سيما الشرق الصيفي ، لأنها
بيضاء براقة ، طيبة الريح ، وكل ما كان من المياه مالحا ، بطئ النضح ،
خاشنا ، فإن الذين يشربون منه بلا حاجة إليه ليس بنافع لهم ، وان بعض الطبائع
والاسقام ربما انتفعت به ، وكلما كان طعم المياه إلى الملوحة ، فكلها ردية
مفسدة ، وكل عين تكون سمت شرق الشمس ، فماؤها خير المياه .
ثم بعدها العيون التي بين أفق الشمس القيظي والغرب القيظي ، وأفضلها
المائلة إلى الشرق ثم التي بين مغرب الشمس الشتوي والقيظي ، وأرادها العيون
التي في ناحية الجنوب ، فأما العيون التي تنزل أفق الشرق الشتوي والغرب الشتوي ،
فما كان منها ناحية الجنوب ، فهي ردية جدا ، وما كان منها ناحية الشمال ،
تاريخ اليعقوبي — صفحة 109
مساهمون: اليعقوبي
ص١٠٩