شرح
ومن المحتمل أن المراد بهذه الروايات أن وجوب الحجّ على المستطيع الذي هو حكم إلهي لا يختص بعام دون عام ، كما كان يصنعه أهل الجاهلية فإنهم لم يكونوا مقيدين بالحج في كل سنة ، فربما يحجون في سنة ويؤخرون في اُخرى ، وعلى ما في ذهني ( 1 ) إنه في زمان الجاهلية كان الحجّ على طبقات ، في سنة تحج طبقة من الناس ( 2 ) وفي الثانية ، الطبقة الثانية فلا يختلط أحدهم بالآخر ، وهذا غير ثابت في شريعتنا ، بل الحجّ في شريعتنا في كل عام ، فإن كان الإنسان مستطيعاً يجب عليه الحجّ ولا يجوز تأخيره كما كانوا يؤخرون في زمان الجاهلية كما نطقت به الآية : ( إِنَّمَا النَّسِىءُ زِيَادَةٌ فِى الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا ) ( 3 ) .
وأما أنه إذا حج في سنة فهل يجب عليه الحجّ في السنة الآتية أو لا ، فهذا لا يعلم من رواية ولا يتناسب الاستشهاد به بالآية ، نعم ، ربما لا يتناسب هذا التوجيه مع بعض الروايات كما في رواية الشيخ الصدوق في العلل عن شيخ من أصحابنا قال : « الحجّ واجب على من وجد السبيل إليه في كل عام » ( 4 ) ولكن الرواية ضعيفة لأن أحمد بن محمد الذي هو من مشايخ الصدوق مردد بين أحمد بن محمد بن يحيى وأحمد بن محمد بن الحسن ابن الوليد ، وكلاهما من مشايخ الصدوق ولم يوثقا . وما ذكرناه من التوجيه أقرب وإن لم أر التعرض له ( 5 ) .
هامش
السابق واجباً أيضاً ، وقد صرحت النصوص بأن ما عدا المرة تطوع . الجواهر 17 : 222 - 223 .
ثمّ إن ظاهر الصحيحة هو وجوب الحجّ على أهل الجدة في كل عام ، وسؤال علي بن جعفر « فمن لم يحج منّا فقد كفر » معناه فمن لم يحج منا - مع استبطانه أنه من أهل الجدة - كل عام فقد كفر ؟ فأجاب ( عليه السلام ) : لا ، ولكن من قال إن الحجّ ليس بواجب على أهل الجدة كل عام فقد كفر . وهذا الظهور لا يمكن الالتزام به بوجه ، لمخالفته للروايات الدالة على أن الحجّ لا يجب في تمام العمر إلاّ مرة واحدة ، فيرد علم هذه الصحيحة إلى أهله ، ولا مقتضي لحملها على أي محمل ، لأن الحمل لا يخرج عن كونه حملاً لا أنه هو ظاهر الرواية ، بما في ذلك الحمل الذي ذكره السيد الاُستاذ بكلا معنييه الآتيين .
( 1 ) حسب ما رأيته في بعض الكتب « منه ( قدس سره ) » .
( 2 ) وهم الاشراف مثلاً « منه ( قدس سره ) » .
( 3 ) التوبة : 37 .
( 4 ) الوسائل ج 11 : 18 باب 2 من أبواب وجوب الحجّ ح 6 .
( 5 ) وفي المعتمد ذكر بدل هذا الحمل ما نصه : « والاُولى في توجيه هذه الروايات أن يقال : إنها ناظرة إلى ما كان يصنعه أهل الجاهلية من عدم الاتيان بالحج في بعض السنين ، لتداخل بعض السنين في بعض بالحساب الشمسي ، فان العرب كانت لا تحج في بعض الأعوام وكانوا يعدون الأشهر بالحساب الشمسي ، ومنه قوله تعالى : ( إِنَّمَا النَّسِىءُ زِيَادَةٌ فِى الْكُفْرِ . . . ) وربما لا تقع مناسك الحجّ في شهر ذي الحجة ، فأنزل الله تعالى هذه الآية رداً عليهم بأن