شرح
أما عدم السقوط بالحجّ التسكعي فلا ينبغي الشك فيه ، لأن إطلاق ما دل على وجوب الحجّ على المستطيع الشمول لما إذا حج تسكعاً قبل ذلك أو لا ، وسقوط الواجب بالمستحب يحتاج إلى دليل ، ولا دليل في المقام يدل على إجزاء حج التسكع عن حجّة الإسلام .
وأما بالنسبة إلى من حج عن الغير فحجه وإن كان وجوباً نيابة عن الغير فهل يجزي هذا عن حجّة الإسلام عن نفسه أو لا ؟ وردت عدة روايات دالة على الإجزاء عن حجّة الإسلام بالنسبة إلى نفس النائب وعن المنوب عنه أيضاً .
منها : صحيحة معاوية بن عمار ، عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : « حجّ الصرورة يجزي عنه وعن المنوب عنه أيضاً » ( 1 ) .
ومنها : صحيحة معاوية الاُخرى قال : « سألت أبا عبد الله ( عليه السلام ) عن رجل حجّ عن غيره ، يجزيه ذلك عن حجّة الإسلام ؟ قال : نعم » ( 2 ) ، وكذا غيرهما ( 3 ) .
والعمدة في المعارض لهذه الروايات رواية آدم بن علي ( 4 ) ، عن أبي الحسن ( عليه السلام ) قال : « من حجّ عن إنسان ولم يكن له مال يحج به أجزأت عنه حتى يرزقه الله ما يحج به ويجب عليه الحجّ » ( 5 ) فإنها ظاهرة في عدم الإجزاء لو استطاع بعد ذلك ، ولكن المهم في هذه الرواية ضعفها ، فإن آدم بن علي مجهول ، ومحمّد بن سهل الراوي عن آدم لم يوثق ولم يمدح ، وعليه فلا يمكن أن تكون معارضة للروايات المتقدمة الدالة على الإجزاء صريحاً ، ولولا ضعف سندها لكان مقتضى القاعدة والجمع العرفي بينهما حمل رواية آدم الظاهرة في الوجوب على الاستحباب للصحاح المتقدمة . إلاّ ان الذي في المقام كما قاله صاحب المدارك وغيره أنه لم يوجد قائل بالإجزاء من الشيعة قديماً وحديثاً ، وعليه فيكون الحكم معلوماً من الخارج لا من الروايات ، وان الحجّ الواجب بالاستطاعة لا يسقط بحج آخر وإن كان واجباً بإجارة أو بغيرها ، فإن التسالم الخارجي وعدم الخلاف وما يظهر من الجواهر ( 6 ) من دعوى الإجماع على عدم الإجزاء يوجب سقوط الروايات وحملها على عدم الإجزاء ما دام فقيراً ، ولولا هذا التسالم لكان القول بالإجزاء قوياً جداً ، فالتسالم يوجب سقوط الصحاح عن الحجية كما أن التسالم على وجوب الصلاة مثلاً يوجب سقوط ما لو فرض وجود عدة صحاح دالة على العدم .
هامش
( 1 ) الوسائل ج 11 : 55 باب 21 من أبواب الحجّ ح 2 .
( 2 ) الوسائل ج 11 : 56 باب 21 من أبواب الحجّ ح 4 .
( 3 ) كصحيحة جميل - المتقدم الكلام فيها - عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) « في رجل ليس له مال حجّ عن رجل أو أحجّه غيره ثمّ أصاب مالاً هل عليه الحجّ ؟ فقال : يجزي عنهما جميعاً » ، الوسائل ج 11 : 57 باب 21 من أبواب وجوب الحجّ ح 6 .
( 4 ) في المستمسك طبعة بيروت 10 : 96 مرازم بن علي بدل آدم بن علي ، والذي أظنه أنه من خطأ الطبعة .
( 5 ) الوسائل ج 11 : 55 باب 21 من أبواب وجوب الحجّ ح 1 .
( 6 ) الجواهر 17 : 271 .