يعقدها هو بنفسه أو من يأذن له فيه أو مَن كان قصد نصبه لأمر الجهاد .
والمناسب ملاحظة أقوال أصحابنا أوّلا ثمّ العناية إلى أدلّة المسألة ، فنقول :
1 - قال الشيخ في جهاد المبسوط : فصل في ذكر المهادنة وأحكامها ، الهدنة والمعاهدة واحدة ، وهو وضع القتال وترك الحرب إلى مدّة من غير عوض ، وذلك جائز ، لقوله تعالى : ( وَإِنْ جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا ) ( 1 ) ولأنّ النبيّ صالح قريشاً عام الحديبية على ترك القتال عشر سنين .
2 - وقال المحقّق ( قدس سره ) في كتاب الجهاد من الشرائع عند البحث عمّن يجب جهاده - وهم البغاة وأهل الكتاب وسائر الكفّار : وأقلّه ( أي النفور إلى الجهاد ) في كلّ عام مرّة ، وإذا اقتضت المصلحة مهادنتهم جاز لكن لا يتولّى ذلك إلاّ الإمام أو مَن يأذن له الإمام .
وقال أيضاً فيه عن البحث عن أحكام أهل الذمّة في عداد مسائل : الخامسة في المهادنة ، وهي المعاقدة على ترك الحرب مدّة معيّنة ، وهي جائزة إذا تضمّنت مصلحة للمسلمين إمّا لقلّتهم عن المقاومة أو لما يحصل به الاستظهار أو لرجاء الدخول في الإسلام مع التربّص ، ومتى ارتفع ذلك وكان في المسلمين قوّة على الخصم لم يجز ، ويجوز الهدنة أربعة أشهر ، ولا يجوز أكثر من سنة على قول مشهور ، وهل يجوز أكثر من أربعة أشهر ؟ قيل : لا ، لقوله تعالى ( فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ) ( 2 ) وقيل : نعم لقوله تعالى : ( وَإِنْ جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا ) والوجه مراعاة الأصلح ، ولا تصحّ إلى مدّة مجهولة ولا مطلقاً إلاّ أن يشترط الإمام لنفسه الخيار في النقض متى شاء ، انتهى .
فعبارته الاُولى بما انها وقعت عند البحث عن كلّ مَن يجب جهاده فلا محالة تدلّ على مشروعية المهادنة إذا اقتضته المصلحة مطلقاً وفي جميع أقسام الجهاد ، وقد صرّحت بأنّه لا يتولّى المهادنة إلاّ نفس الإمام أو مَن يأذن له .
هامش
( 1 ) الأنفال : 61 .
( 2 ) التوبة : 5 .