فلمّا رأيت ذلك منكم روّيت في أمري وأمركم وقلت : إن أنا لم اُجبهم إلى القيام بأمرهم لم يصيبوا أحداً يقوم فيهم مقامي ويعدل فيهم عدلي ، وقلت : والله لألينّهم وهم يعرفون حقّي وفضلي أحبّ إليَّ من أن يلوني وهم لا يعرفون حقّي وفضلي .
فبايعتموني يا معشر المسملين على كتاب الله وسنّة نبيّه ( صلى الله عليه وآله ) وفيكم المهاجرون والأنصار والتابعون بإحسان وبلغ من سرور الناس ببيعتهم إيّاي أن ابتهج به الصغير وهدج إليها الكبير وتحامل نحوها العليل وحسرت إليها الكعاب ( 1 ) .
فهذا القسم المبارك من الكتاب قد بيّن أمر ردّ بيعة الناس له ( عليه السلام ) وإصراره على هذا الردّ وأوضح سرّ هذا الردّ وأنّه كاف لأن يبلو الناس أنّهم على جدّ في عرضهم للبيعة له ، ثمّ بيّن سرّ قبوله لها بأنّه لو لم يجيبوهم بالإثبات لم يصيبوا أحداً يقوم فيهم مقامه ويعدل فيهم عدله ، وهذا لأنّه وليّ الأمر الّذي نصبه الرسول الأعظم ( صلى الله عليه وآله ) عملا وامتثالا لأمر الله وتبليغاً لما أنزله الله وليس أحد يكون في مقام العمل بالوظيفة الإلهية في إعمال الولاية الإسلامية في حدّ الإمام المعصوم وفي مرتبة أمير المؤمنين ( عليه السلام ) .
ثمّ بيّن هذا السرّ وأوضحه بكلمة اُخرى هي أنّ ولايته عليهم وهم يعرفون حقّه وفضله أحبّ عنده من أن يليهم ويليه ( عليه السلام ) غيره وهم لا يعرفون حقّه الإلهي وفضله السامي .
فهذه المقالة أيضاً تامّة الدلالة على بيان سرّ الردّ والقبول ودافعة لكلّ شبهة مزعمومة ، والحمد لله .
فتبيّن من هذه الأخبار المباركة دفع أيّ خيال موهوم وأيّة شبهة مزعومة وهي مشتملة إذا انضمّ كلّ منها إلى الآخر لذكر أسرار متعدّدة مختلفة لا تخفى لمن أمعن النظر فيها .
وبالجملة : فقد عرفت ممّا مرّ قيام أدلّة معتبرة قطعية الصدور والدلالة على أنّ رسول الله وآله الأئمّة المعصومين صلّى الله عليه وعليهم أجمعين علاوةً على أنّهم
هامش
( 1 ) تمام نهج البلاغة : الكتاب 75 ص 882 - 883 .