فبكى أصحاب عليّ ( عليه السلام ) وبكى رأس اليهود وقالوا : يا أمير المؤمنين أخبرنا بالاُخرى .
فقال ( عليه السلام ) : والاُخرى أن تخضب هذه ( وأومأ بيده إلى لحيته ) من هذه ( وأومأ بيده إلى هامته ) .
قال : وارتفعت أصوات الناس في المسجد الجامع بالضجّة والبكاء ، حتّى لم يبق بالكوفة دار إلاّ خرج أهلها فزعاً ، وأسلم رأس اليهود على يدي عليّ ( عليه السلام ) من ساعته ، ولم يزل مقيماً حتّى قتل أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، واُخذ ابن ملجم لعنه الله فأقبل رأس اليهود حتّى وقف على الحسن ( عليه السلام ) والناس حوله وابن ملجم لعنه الله بين يديه ، فقال له : يا أبا محمّد اقتله قتله الله ، فإنّي رأيت في الكتب الّتي اُنزلت على موسى ( عليه السلام ) أنّ هذا أعظم عند الله عزّ وجلّ جرماً من ابن آدم قاتل أخيه ومن القدار عاقر ناقة ثمود ( 1 ) .
فهذا الحديث المبارك الطويل وإن لم يكن سنده تامّ الاعتبار ، إلاّ أنّه مشتمل على مطالب عالية وحاك لاُمور واقعة زمن النبيّ الأعظم ( صلى الله عليه وآله ) وبعده بأحسن بيان ، وهو صريح في أنّ عليّاً أمير المؤمنين ( عليه السلام ) قد نصّب من الله عزّ وجلّ لا دارة أمر الاُمة بعد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وأنّ الرسول قد بيّن ذلك لاُمّته وأخذ البيعة منهم لولايته وأمارته وتوسّل لاستقامة الأمر بعد وفاته بتجهيز جيش اُسامة وأمر الناس لا سيّما ملأهم بخروجهم معه إلى خارج المدينة ، وأنّ الغادرين قد تخلفوا عن أمره وعصوه وفي حين اشتغال عليّ ( عليه السلام ) بتجهيز جنازة الرسول اجتمعوا وتخلّفوا أمر الله وجعلوا من عند أنفسهم رجلا أميراً وهذا الأمير الطاغي وإن كان ربما يعترف بخطائه زمن حياته - إلاّ أنّه مع ذلك أوكل أمر ولاية الاُمّة إلى الثاني القائم بالأمر بعده عصياناً ،
هامش
( 1 ) الخصال : أبواب السبعة : ص 364 - 382 الحديث 58 . وروى نحوه الشيخ المفيد في كتاب الاختصاص : تحت عنوان « كتاب محنة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) » ص 163 - 181 الحديث 7 لكن في سنده : عن جابر عن أبي جعفر عن محمّد ابن الحنفية .