خطيئة .
فمتى كان يمكنه أن يشاهد ما لنفسه من الفقر والمذلة والمسكنة والحاجة والقصور وله في كل ما يصيبه من التعب والعناء والكد روح وراحة في حظيرة القدس وجوار رب العالمين ، فللّه تعالى صفات من عفو ومغفرة وتوبة وستر وفضل ورأفة ورحمة لا ينالها إلّا المذنبون ، وله في أيام الدهر نفحات لا يرتاح بها إلّا المتعرّضون .
فهذه التوبة هي التي استدعت تشريع الطريق الذي يتوقع سلوكه وتنظيف المنزل الذي يرجى سكونه ، فوراءها تشريع الدين وتقويم الملة .
ويدل على ذلك ما تراه أن اللّه تعالى يكرر في كلامه تقدم التوبة على الإيمان . قال تعالى :
فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَمَنْ تابَ مَعَكَ
( هود / 112 ) ، وقال :
وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ
( طه / 82 ) ، إلى غير ذلك من الآيات .
قوله تعالى :
قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً
. وهذا أول ما شرّع من الدين لآدم عليه السّلام وذريته ، أوجز الدين كله في جملتين لا يزاد عليه شيء إلى يوم القيامة .
وأنت إذا تدبرت هذه القصة ( قصة الجنة ) وخاصة ما وقع في سورة طه وجدت أن المستفاد منها أن جريان القصة أوجب قضاءين منه تعالى في آدم وذريته ، فأكل الشجرة أوجب حكمه تعالى وقضائه بالهبوط والاستقرار في الأرض والحياة فيها تلك الحياة الشقية التي حذرا منها حين نهيا عن اقتراب الشجرة هذا .
وأن التوبة ثانيا : تعقب قضاء وحكما ثانيا منه تعالى بإكرام آدم وذريته بالهداية إلى العبودية فالمقضي أولا كان نفس الحياة الأرضية ، ثم بالتوبة طيب اللّه تلك الحياة بأن ركب عليها الهداية إلى العبودية ، فتألفت الحياة من حيوة أرضية ، وحيوة سماوية .
وهذا هو المستفاد من تكرار الأمر بالهبوط في هذه السورة حيث قال تعالى :
وَقُلْنَا