تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 571

مساهمون:

ص٥٧١
تعالى ذم في كتابه هذا الحزن كما قال :
لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ
( الحديد / 23 ) فهذا الغم الذي يصرفهم عن ذاك الحزن المذموم نعمة وموهبة فيكون هو الغم الطاري عليهم من جهة الندامة على ما وقع منهم والتحسر على ما فاتهم من النصر بسبب الفشل ، ويكون حينئذ الغم الثاني في قوله :
بِغَمٍّ
، الغم الآتي من قبل الحزن المذكور ، والباء للبدلية ، والمعنى : جازاكم غما بالندامة والحسرة على فوت النصر بدل غم بالحزن على ما فاتكم وما أصابكم . ومن الجائز أن يكون قوله :
فَأَثابَكُمْ
مضمنا معنى الإبدال فيكون المعنى : فأبدلكم غم الحزن من غم الندامة والحسرة مثيبا لكم ، فينعكس المعنى في الغمين بالنسبة إلى المعنى السابق . وعلى كل من المعنيين يكون قوله :
فَأَثابَكُمْ
، تفريعا على قوله :
وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ
، ويتصل به ما بعده أعني قوله :
ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ
، أحسن اتصال ، والترتيب : أنه عفا عنكم فأثابكم غما بغم ليصونكم عن الحزن الذي لا يرتضيه لكم ثم أنزل عليكم من بعد الغم امنة نعاسا . وهاهنا وجه آخر يساعده ظهور السياق في تفريع قوله :
فَأَثابَكُمْ
، على ما يتصل به بمعنى أن يكون الغم هو ما يتضمنه قوله :
إِذْ تُصْعِدُونَ
، والمراد بقوله :
بِغَمٍّ
هو ما أدى اليه التنازع والمعصية وهو إشراف المشركين عليهم من ورائهم ، والباء للسببية وهذا معنى حسن ، وعلى هذا يكون المراد بقوله :
لِكَيْلا تَحْزَنُوا
، الخ ؛ نبين لكم حقيقة الأمر لئلا تحزنوا ، كما في قوله تعالى :
ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ
الآية ( الحديد / 23 ) . فهذا ما يستقيم به نظم الآية واتساق الجمل المتعاقبة ، وللمفسرين احتمالات كثيرة في الآية من حيث ما عطف عليه قوله :
فَأَثابَكُمْ
، ومن حيث معنى الغم الأول والثاني ومعنى الباء ومعنى قوله :
لِكَيْلا
، ليست من الاستقامة على شيء ، ولا جدوى في نقلها والبحث عنها .