وقوله :
وَاللَّهُ وَلِيُّهُما
، حال والعامل فيه قوله :
هَمَّتْ
، والكلام مسوق للعتاب واللوم ؛ وكذا قوله :
وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ
، والمعنى : أنهما همتا بالفشل مع أن اللّه وليهما ولا ينبغي لمؤمن أن يفشل وهو يرى أن اللّه وليه ، ومع أن المؤمنين ينبغي أن يكلوا أمرهم إلى اللّه ومن يتوكل على اللّه فهو حسبه .
قوله تعالى :
وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ
إلى آخر الآية ؛ ظاهر السياق أن تكون الآية مسوقة سوق الشاهد لتتميم العتاب وتأكيده فتكون تؤدي معنى الحال كقوله :
وَاللَّهُ وَلِيُّهُما
، والمعنى : وما كان ينبغي أن يظهر منكم الهم بالفشل وقد نصركم اللّه ببدر وأنتم أذلة ، وليس من البعيد أن يكون كلاما مستقلا سيق مساق الامتنان بذكر نصر عجيب من اللّه بإنزال الملائكة لإمدادهم ونصرهم يوم بدر .
ولما ذكر تعالى نصره إياهم يوم بدر وقابل ذلك بما هم عليه من الحال - ومن المعلوم أن كل من اعتز فإنما يعتز بنصر اللّه وعونه فليس للإنسان من قبل نفسه إلّا الفقر والذلة - ولذلك قال : وأنتم أذلة .
ومن هنا يعلم أن قوله :
وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ
لا ينافي أمثال قوله تعالى :
وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ
( المنافقون / 8 ) فإن عزتهم إنما هي بعزة اللّه ، قال تعالى :
فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً
( النساء / 139 ) وذلك بنصر اللّه المؤمنين كما قال تعالى :
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ
( الروم / 47 ) فإذا كان الحال هذا الحال فلو اعتبر حال المؤمنين من حيث أنفسهم لم يكن لهم إلّا الذلة .
على أن واجهة حال المؤمنين أيضا يوم بدر كانت تقضي بكونهم أذلة قبال ما كان عليه المشركون من القوة والشوكة والزينة ، ولا ضير في إضافة الذلة النسبية إلى الأعزة وقد أضافها اللّه سبحانه إلى قوم مدحهم كل المدح حيث قال :
فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ