المحاجين والمجادلين في عيسى من أهل الكتاب إلى الاجتماع رجالا ونساء وأطفالا ويجمع هو المؤمنين رجالا ونساء وأطفالا ، ويبتهلون إلى اللّه تعالى بأن يلعن الكاذب فيما يقول عن عيسى .
وهذا الطلب يدل على قوة يقين صاحبه ، وثقته بما يقول كما يدل امتناع من دعوا إلى ذلك من أهل الكتاب سواء كانوا نصارى نجران أو غيرهم على امترائهم في حجاجهم ومماراتهم فيما يقولون ، وزلزالهم فيما يعتقدون ، وكونهم على غير بينة ولا يقين ، وأنى لمن يؤمن باللّه أن يرضى بأن يجتمع هذا الجمع من الناس المحقين والمبطلين في صعيد واحد متوجهين إلى اللّه في طلب لعنه وإبعاده من رحمته ؟ وأي جرأة على اللّه واستهزاء بقدرته وعظمته أقوى من هذا ؟
قال : أما كون النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم والمؤمنين كانوا على يقين مما يعتقدون في عيسى عليه السّلام فحسبنا في بيانه قوله تعالى :
مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ
، فالعلم في هذه المسائل الاعتقادية لا يراد به إلّا اليقين ، وفي قوله :
نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ
« الخ » وجهان :
أحدهما : أن كل فريق يدعو الآخر فأنتم تدعون أبنائنا ، ونحن ندعو أبنائكم ؛ وهكذا الباقي .
وثانيهما : أن كل فريق يدعو أهله فنحن المسلمون ندعو أبنائنا ونسائنا وأنفسنا ؛ وأنتم كذلك .
ولا إشكال في وجه من وجهي التوزيع في دعوة الأنفس ، وإنما الإشكال فيه على قول الشيعة ، ومن شايعهم على القول بالتخصيص ، انتهى .
أقول : وهذا الكلام - وأحسب أن الناظر فيه يكاد يتهمنا في نسبته إلى مثله ، واللبيب لا يرضى بإيداعه وأمثاله في الزبر العلمية - إنما أوردناه على وهنه وسقوطه ليعلم أن النزعة والعصبية إلى أين يورد صاحبه من سقوط الفهم ورداءة النظر فيهدم كل ما بنى عليه ويبني كل ما هدمه ولا يبالي ، ولأن الشر يجب أن يعلم ليجتنب عنه .