يقع هناك إلّا ما أحبه اللّه وأراده ولا خبر عن محبة العبد وإرادته في نفسه ، ويتلوه ( وهو المرتبة الثالثة من الإيمان ) شيوع هذا التسليم العبودي في جميع الأعمال .
قوله تعالى :
رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ
، مقول قول الحواريين حذف القول من اللفظ للدلالة على حكاية نفس الواقعة وهو من الأساليب اللطيفة في القرآن الكريم ، وقد مر بيانه ، وقد سألوا ربهم أن يكتبهم من الشاهدين ، وفرّعوا ذلك على إيمانهم وإسلامهم جميعا لأن تبليغ الرسول رسالته إنما يتحقق ببيانه ما أنزله اللّه عليه قولا وفعلا ، أي بتعليمه معالم الدين وعمله بها ، فالشهادة على التبليغ إنما يكون بتعلمها من الرسول واتباعه عملا حتى يشاهد أنه عامل بما يدعو اليه لا يتخطاه ولا يتعداه .
والظاهر أن هذه الشهادة هي التي يومي إليها قوله تعالى :
فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ
( الأعراف / 6 ) ، وهي الشهادة على التبليغ ، وأما قوله تعالى :
وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ
( المائدة / 83 ) ، فهو شهادة على حقية رسالة الرسول دون البليغ ، واللّه أعلم .
قوله تعالى :
وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ
، الماكرون هم بنو إسرائيل ، بقرينة قوله :
فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ
، وقد مر الكلام في معنى المكر المنسوب اليه تعالى في ذيل قوله :
وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ
( البقرة / 26 ) .
قوله تعالى :
إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ
، التوفي أخذ الشيء أخذا تاما ، ولذا يستعمل في الموت لأن اللّه يأخذ عند الموت نفس الإنسان من بدنه قال تعالى :
تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا
( الأنعام / 61 ) ، أي أماتته ، وقال تعالى :
وَقالُوا أَ إِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ أَ إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ
- إلى أن قال - :
قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ
( السجدة / 11 ) ، وقال تعالى :
اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى
( الزمر / 42 ) ، والتأمل في الآيتين الأخيريتين يعطي أن التوفي لم يستعمل في القرآن بمعنى الموت بل بعناية الأخذ والحفظ ، وبعبارة أخرى إنما استعمل التوفي بما في حين الموت من الأخذ للدالة على أن نفس الإنسان لا يبطل ولا يفنى بالموت الذي