والصعوبة إنما يتصور إذا كان الأمر مما يتوسل إليه بالأسباب فكلما كثرت المقدمات والأسباب وعزت وبعد منالها اشتد الأمر صعوبة ، واللّه سبحانه لا يخلق ما يخلق بالأسباب بل إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون .
فقد ظهر أن قوله :
كَذلِكِ
كلام تام أريد به رفع اضطراب مريم وتردد نفسها ، وقوله :
اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ
، رفع العجز الذي يوهمه التعجب ، وقوله :
إِذا قَضى
، رفع لتوهم العسر والصعوبة .
قوله تعالى :
وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ
، اللام في الكتاب والحكمة للجنس . وقد مر أن الكتاب هو الوحي الرافع لاختلافات الناس ؛ والحكمة هي المعرفة النافعة المتعلقة بالاعتقاد أو العمل ، وعلى هذا فعطف التوراة والإنجيل على الكتاب والحكمة مع كونهما كتابين مشتملين على الحكمة من قبيل ذكر الفرد بعد الجنس لأهمية في اختصاصه بالذكر ، وليست لام الكتاب لاستغراق لقوله تعالى :
وَلَمَّا جاءَ عِيسى بِالْبَيِّناتِ قالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ
( الزخرف / 63 ) ، وقد مر بيانه .
وأما التوراة فالذي يريد القرآن منها هو الذي نزله اللّه على موسى عليه السّلام في الميقات في ألواح على ما يقصه اللّه سبحانه في سورة الأعراف ؛ وأما الذي عند اليهود من الأسفار فهم معترفون بانقطاع اتصال السند ما بين بختنصر من ملوك بابل وكورش من ملوك الفرس ، غير أن القرآن يصدق أن التوراة الموجود بأيديهم في زمن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم غير مخالفة للتوراة الأصل بالكلية وإن لعبت بها يد التحريف ؛ ودلالة آيات القرآن على ذلك واضحة .
وأما الإنجيل ومعناه البشارة فالقرآن يدل على أنه كان كتابا واحدا نازلا على عيسى فهو الوحي المختص به ، قال تعالى :
وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ
( آل عمران / 4 ) ، وأما هذه الأناجيل المنسوبة إلى متى ومرقس ولوقا ويوحنا فهي كتب مؤلفة بعده عليه السّلام .
ويدل أيضا على أن الأحكام إنما هي في التوراة ، وأن الإنجيل لا تشتمل إلّا على بعض النواسخ كقوله في هذه الآيات : مصدقا لما بين يدي من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم ، الآية ؛ وقوله :
وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ