وابتغاء
تَأْوِيلِهِ
، الزيغ هو الميل عن الاستقامة ، ويلزمه اضطراب القلب وقلقه بقرينة ما يقابله في ذيل الآية من قوله :
وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا
، فإن الآية تصف حال الناس بالنسبة إلى تلقي القرآن بمحكمه ومتشابهه ، وأن منهم من هو زائغ القلب ومائله ومضطربه فهو يتبع المتشابه ابتغاء للفتنة والتأويل ، ومنهم من هو راسخ العلم مستقر القلب يأخذ بالمحكم ويؤمن بالمتشابه ولا يتبعه ، ويسأل اللّه تعالى أن لا يزيغ قلبه بعد الهداية .
ومن هنا يظهر : أن المراد باتباع المتشابه اتباعه عملا لا إيمانا ، وان هذا الاتباع المذموم اتباع للمتشابه من غير ارجاعه إلى المحكم ، إذ على هذا التقدير يصير الاتباع اتباعا للمحكم ولا ذم فيه .
والمراد بابتغاء الفتنة طلب إضلال الناس ، فإن الفتنة تقارب الاضلال في المعنى ، يقول تعالى : يريدون باتباع المتشابه إضلال الناس في آيات اللّه سبحانه ، وأمرا آخر هو أعظم من ذلك ، وهو الحصول والوقوف على تأويل القرآن ومآخذ أحكام الحلال والحرام حتى يستغنوا عن اتباع محكمات الدين فينتسخ بذلك دين اللّه من أصله .
والتأويل من الأول وهو الرجوع ، فتأويل المتشابه هو المرجع الذي يرجع إليه ، وتأويل القرآن هو المأخذ الذي يأخذ منه معارفه « 1 » .
قوله تعالى :
وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ
، ظاهر الكلام رجوع الضمير إلى ما تشابه ، لقربه كما هو الظاهر أيضا في قوله :
وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ
، وقد عرفت أن ذلك لا يستلزم كون التأويل مقصورا على الآيات المتشابهة . ومن الممكن أيضا رجوع الضمير إلى الكتاب كالضمير في قوله :
ما تَشابَهَ مِنْهُ
.
وظاهر الحصر كون العلم بالتأويل مقصورا عليه سبحانه ، وأما قوله :
وَالرَّاسِخُونَ فِي
هامش
( 1 ) . آل عمران 7 - 9 : بحث في معنى التأويل .