بجميع ذلك ، كل على ما يليق به .
قوله تعالى :
لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ
، حكاية لقولهم من دون توسيط لفظ القول ، وقد مر في قوله تعالى :
وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
( البقرة / 127 ) ، النكتة العامة في هذا النحو من الحكاية ، وأنه من أجمل السياقات القرآنية ، والنكتة المختصة بالمقام مضافا إلى أن فيه تمثيلا لحالهم وقالهم أن هذا الكلام إنما هو كلام منتزع من خصوص حالهم في الايمان بما أنزل اللّه تعالى ، فهم لم يقولوه إلّا بلسان حالهم ، وان كانوا قالوه فقد قاله كل منهم وحده وفي نفسه ، وأما تكلمهم به لسانا واحدا فليس الا بلسان الحال .
ومن عجيب أمر السياق في هذه الآية ما جمع بين قولين محكيين منهم مع التفرقة في نحو الحكاية أعني قوله تعالى :
لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا
، الخ ؛ حيث حكى البعض من غير توسيط القول والبعض الآخر بتوسيطه ، وهما جميعا من قول المؤمنين في إجابة دعوة الداعي .
والوجه في هذه التفرقة أن قولهم :
لا نُفَرِّقُ
، الخ ؛ مقول لهم بلسان حالهم بخلاف قولهم :
سمعنا وأطعنا .
وقد بدأ تعالى بالإخبار عن حال كل واحد منهم على نعت الافراد فقال : كل آمن باللّه ثم عدل إلى الجمع فقال : لا نفرق بين أحد إلى آخر الآيتين ، لأن الذي جرى من هذه الأمور في أهل الكتاب كان على نعت الجمع كما أن اليهود فرقت بين موسى وبين عيسى ومحمد ، والنصارى فرقت بين موسى وعيسى ، وبين محمد فانشعبوا شعبا وتحزبوا أحزابا وقد كان اللّه تعالى خلقهم أمة واحدة على الفطرة ، وكذلك المؤاخذة والحمل والتحميل الواقع عليهم إنما وقعت على جماعتهم ، وكذلك ما وقع في آخر الآية من سؤال النصرة على الكافرين ، كل ذلك أمر مرتبط بالجماعة دون الفرد ، بخلاف الايمان فإنه أمر قائم بالفرد حقيقة .