والمراد بالذين من قبلكم ، الأمم من المليين في الجملة ، ولم يعين القرآن من هم ، غير أن ظاهر قوله :
كَما كُتِبَ
، أن هؤلاء من أهل الملة وقد فرض عليهم ذلك ، ولا يوجد في التوراة والإنجيل الموجود عند اليهود والنصارى ما يدل على وجوب الصوم وفرضه ، بل الكتابان إنما يمدحانه ويعظمان أمره ، لكنهم يصومون أياما معدودة في السنة إلى اليوم بأشكال مختلفة :
كالصوم عن اللحم والصوم عن اللبن والصوم عن الأكل والشرب ، وفي القرآن قصة صوم زكريا عن الكلام وكذا صوم مريم عن الكلام .
قوله تعالى :
لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
، كان أهل الأوثان يصومون لإرضاء آلهتهم أو لإطفاء نائرة غضبها إذا أجرموا جرما أو عصوا معصية ، وإذا أرادوا إنجاح حاجة وهذا يجعل الصيام معاملة ومبادلة يعطي بها حاجة الرب ليقضي حاجة العبد أو يستحصل رضاه ليستحصل رضا العبد ، وإن اللّه سبحانه أمنع جانبا من أن يتصور في حقه فقر أو حاجة أو تأثر أو أذى ، وبالجملة هو سبحانه بريء من كل نقص ، فما تعطيه العبادات من الأثر الجميل ، أي عبادة كانت وأي أثر كان ، إنما يرجع إلى العبد دون الرب تعالى وتقدس ، كما أن المعاصي أيضا كذلك ، قال تعالى :
إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها
( الإسراء / 7 ) ، هذا هو الذي يشير اليه القرآن الكريم في تعليمه بإرجاع آثار الطاعات والمعاصي إلى الانسان الذي لا شأن له إلّا الفقر والحاجة ، قال تعالى :
يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ
( فاطر / 15 ) ويشير اليه في خصوص الصيام بقوله :
لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
، وكون التقوى مرجو الحصول بالصيام مما لا ريب فيه فإن كل إنسان يشعر بفطرته أن من أراد الاتصال بعالم الطهارة والرفعة ، والارتقاء إلى مدرجة الكمال والروحانية فأول ما يلزمه أن يتنزه عن الاسترسال في استيفاء لذائذ الجسم وينقبض عن الجماح في شهوات البدن ويتقدس عن الاخلاد إلى الأرض ، وبالجملة أن يتقي ما يبعده الاشتغال به عن الرب تبارك وتعالى فهذه تقوى إنما تحصل بالصوم والكف عن الشهوات ، وأقرب من ذلك وأمس لحال عموم الناس من أهل