تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكاشف — صفحة 189

مساهمون:

ص١٨٩
الحالين ؟ . لا هذه ولا تلك ، فقد كان باب الطاعة مفتوحا أمامه حين عصى ، أما الآن فلا طاعة ولا عصيان ، إذ لا إرادة ولا اختيار . . وهذا هو شأن الخسيس اللئيم يتعاظم عند النعماء ، ويتصاغر عند البأساء . والتاريخ يعيد نفسه ، وأعني بذلك سنة اللَّه في خلقه التي أشار إليها مؤكدا بقوله : « فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا - 43 فاطر » . وإسرائيل اليوم تسير بمساندة الاستعمار على سنة فرعون بالذات . كان فرعون يذبح أبناء بني إسرائيل ، ويستحيي نساءهم ، وفعلت إسرائيل بأبناء الشعب الفلسطيني أكثر بكثير مما فعله فرعون . وقال فرعون : أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي ؟ . وقالت إسرائيل : أليست لي فلسطين وخيراتها ، ومعها مرتفعات الجولان ، والضفة الغربية ؟ . وقال فرعون : أنا ربكم الأعلى . وقالت ربيبة الاستعمار وحربته ، « لا غالب لي اليوم » . ولم تمض الأيام ، حتى بدأت سنة اللَّه تعمل عملها ، فمن إغراق إيلات إلى موقعة الكرامة ، ومن تدمير مواقع الصواريخ لإسرائيل إلى عمل الفدائيين الذي اضطر « دايان » إلى القول : على اليهود ان يستعدوا لتوسيع قبورهم . . وسيقول عاجلا أو آجلا : آمنت بالذي آمن به العرب والمسلمون ، تماما كما قال فرعون من قبل : آمنت بالذي آمنت به بنو إسرائيل ، لأنها سارت على نفس الطريق الذي سار عليه ، وستكون نهايتها نهايته لا محالة . وقد يقول قائل : ان الصراع مع إسرائيل طويل ومركز . ونقول في جوابه أجل ، ولكن النصر النهائي لأصحاب الحق مهما طال الزمن ، والتاريخ البعيد والقريب يشهد بهذه الحقيقة من عهد فرعون وهامان إلى عهد هتلر وموسيليني . ( آلآنَ ) بعد أن فات ما فات تقول : آمنت ( وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ ) حيث كان الخيار بيدك في التوبة والرجوع إلى الحق ، ولكنك طغيت وبغيت ( وكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ) فذق جزاء عملك بالغرق والهلاك ( فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ ) لا بروحك ونلقي بجثتك على نجوة من الأرض ليشاهدها من كان يعظم من شأنك ( لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً ) يتعظ بها كل من تحدثه نفسه بالسير على طريق الفساد . .