تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكاشف — صفحة 193

مساهمون:

ص١٩٣
والعظيم منهم من اعترف له محمد بالعظمة والفضيلة . . اعترف له بالنص وتعيين الاسم بالذات ، أو بالوصف العام الشامل ، كقوله : « خير الناس أنفع الناس للناس » . أما السر لعظمة محمد ( ص ) فيكمن في أنه كان يحمل هموم الناس جميعا ، ولا يكلف قريبا أو بعيدا بشيء من همومه . . كان يمشي مع الأرملة والمسكين ، فيقضي حاجتهما ، ولا يحول دون مقابلته حاجب ، وما من أحد صديقا كان أو عدوا إلا ويجد عنده الاهتمام به ، والعطف عليه ، والرعاية له . وليس قولي هذا من وحي العاطفة ، ولا من وحي البيئة والتربية . . كلا ، انه من وحي اللَّه : « وما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ - 107 الأنبياء » . ومعنى هذا ان عطفه واهتمامه ليس وقفا على عشيرته الأقربين ، ولا أتباعه الموالين . . بل هي مشاع للناس أجمعين أعداء وأولياء . . انها تماما كالماء والهواء . . كسر قومه رباعيته ، وشجوا وجهه ، فقال : اللهم اهد قومي انهم لا يعلمون . . فلم يكتف ان سأل اللَّه لهم الهداية ، حتى اعتذر عنهم بالجهل وعدم العلم . ولا غرابة إذا لم بغضب محمد ( ص ) لنفسه ، ولم يحتجز لها شيئا من أعراض الدنيا ، وانما الغريب أن يغضب لها ويحتجز . . ان هذا الخلق هو حتم وفرض لمن بعث ليتمم مكارم الأخلاق ، ودعا الناس ، كل الناس ، لتصديقه والإيمان برسالته ، ولا معنى لتصديقه إلا تصديق العدل والإحسان ، ولا للإيمان به إلا الإيمان بالحق والانسانية ، لا بشخصه وذاته . ناداه رجل : يا سيدنا وابن سيدنا ، وخيرنا وابن خيرنا . . فقال : لا يستهوينكم الشيطان . . أنا محمد عبد اللَّه ورسوله . . واللَّه ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي . . وكان أصحابه إذا رأوه قادما لم يقوموا له ، وهو أحب الناس إليهم ، لأنهم يعرفون كراهيته لقيامهم . . وكان يكره أن يمشي أصحابه وراءه ، ويأخذ بيد من يفعل ذلك ، فيدفعه إلى السير بجانبه . هذه هي أخلاق محمد ( ص ) . . وليس كل الناس كمحمد . . ما في ذلك ريب . . ولكن أخلاقه تعبير وانعكاس عن حقيقة الإسلام . . فأي داع إلى الإسلام لم يقتد بسيرة نبيه ، ويتجاوب مع سنته فهو مخادع محتال ، سواء أشعر ذلك من نفسه ، أم ظن هو وظن الناس معه انه قدس الأقداس .