تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكاشف — صفحة 408

مساهمون:

ص٤٠٨
والمعاد ، فصل « بين الدنيا والآخرة » وفصل « حساب القبر » . ( قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ ) . قال لم يتسنه بالإفراد ، دون التثنية ، لأن الطعام والشراب من فصيلة واحدة ، من حيث سرعة الفساد إليهما ، ومعنى لم يتسنه لم يتغير بمرور السنين ، بل بقي على حاله ، وهذه معجزة إلهية ، لأن الطعام والشراب يسرع إليهما الفساد ، وأخشى أن يقول من يحاول تطبيق القرآن على العلم الحديث : انهما كانا في ثلاثة . . ( وانْظُرْ إِلى حِمارِكَ ) . كيف صار رميما ، مع بقاء طعامك وشرابك على حالهما ، وهذا أبلغ في المعجزة ، واظهار المقدرة في خرق العوائد ، لأن الجو واحد ، والظروف واحدة ، فلو كانت هي المؤثرة لأسرع البلى إلى الطعام والشراب قبل أن يسرع إلى الحمار ، لأنه أقوى منهما على البقاء ، فموته هو مع بقائهما مائة سنة على ما كانا عليه من أصدق الدلائل على أن اللَّه لا يعجزه شيء على الإطلاق . وقيل : ان الحمار بقي حيا طوال المائة عام بلا طعام ولا شراب . . وعلى الحالين فان اللَّه سبحانه قد فعل ذلك ليزيل تعجب عزير ، واستبعاده لإحياء أهل القرية ، وأيضا ليجعله آية على وجود البعث عند من علم بحاله من أهل عصره ، وهذا هو المراد بقوله تعالى : ( ولِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ ) . ( وانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً ) . اختلفوا في هذه العظام : هل هي عظام عزير ، أو عظام حماره ؟ . وقال قائل : انها عظام صاحب الحمار ، وان اللَّه سبحانه أحيا أولا عينيه ، لينظر إلى بقية جسده كيف يتجمع ويحيا . . وهذا قول على اللَّه بلا علم ، والأرجح انها عظام الحمار ، لقول صاحبه : لبثت يوما أو بعض يوم . إذ لو كان قد رأى عظامه هو رميما لتنبه إلى طول الأمد . وننشزها بالزاي ، أي نرفعها ، ونركّب بعضها ببعض ، كساها سبحانه لحما ، تماما كما بدأ أول خلقه يعيده ، قال الإمام علي ( ع ) : ليس فناء الدنيا بعد ابتداعها بأعجب من شأنها واختراعها . ( فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهً عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) . قال هذا بعد أن مر بالتجربة الشخصية التي لا تقبل الشك ، وكيف يشك ، وقد شاهد بالعيان معاجز ثلاثا : الأولى إعادته إلى الحياة بعد الموت . الثانية : احياء حماره . الثالثة : بقاء طعامه مائة عام .
التفسير الكاشف — صفحة 408 | محمد جواد مغنية