تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكاشف — صفحة 401

مساهمون:

ص٤٠١
تفرق الناس شيعا وأحزابا متناحرة . . ولكن السؤال لم يقع عن هؤلاء ومن إليهم بل عن تخليد من هو دونهم بمراتب ومراتب . وتقول : وما ذا تصنع بنصوص القرآن والسنة النبوية على التخليد بالنار ؟ . وأجيب : لا شيء منها يرفض التأويل ويأباه . وتقول ثانية : كل ما جاء به النص ، وكان الأخذ به ممكنا يجب بقاؤه على ظاهره ، وتخليد بعض العصاة في النار ليس محالا في ذاته ؟ وأقول : أجل ، ولكن حمل الخلود على طول الأمد ، دون الأبد جمعا بين النص ، وبين أدلة الرحمة لا تأباه الصناعة ، ولا يرفضه الشرع والعقل . وتقول مرة ثالثة : ان الفقهاء لا يرتضون هذا الجواب ، لأنهم لا يجيزون حمل اللفظ على غير ظاهره الا بأسباب ثلاثة : قرينة عرفية ، كحمل العام على الخاص ، أو شرعية ، كالنقل الصريح الثابت عن المعصوم ، أو عقلية لا تقبل احتمال الخلاف ، ولا شيء منها فيما نحن فيه . الجواب أولا : أحسب ان الفقهاء الذين اطلعوا على أدلة رحمة اللَّه تعالى يوافقونني على أنها تصلح لصرف أدلة الخلود في النار عن ظاهرها بالنسبة إلى بعض العصاة . . ومن تلك الأدلة الحديث القدسي : سبقت رحمتي غضبي ، والحديث الشريف : ان الشفعاء يوم القيامة كثيرون ، وآخر من يشفع هو أرحم الراحمين . . وان اللَّه ينشر رحمته يوم القيامة ، حتى يطمع بها إبليس ، ويمتد لها عنقه . . وفي بعض الروايات : ان الحسن البصري قال : ليس العجب ممن هلك كيف هلك ، ولكن العجب ممن نجا كيف نجا ، فقال الإمام زين العابدين ( ع ) : أما أنا فأقول : ليس العجب ممن نجا كيف نجا ، وانما العجب ممن هلك كيف هلك ، مع سعة رحمة اللَّه . فإذا عطفنا هذه الروايات على الآية 53 من سورة الزمر : « قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهً يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً » . إذا عطفنا روايات الرحمة على هذه الآية تشكل لدينا قرينة قطعية على صرف أدلة الخلود في النار عن ظاهرها واختصاصها ببعض العصاة . ثانيا : نحن نتكلم في الأمور العقائدية القطعية ، لا في المسائل الفرعية الظنية ، والفقهاء على ورعهم وقوة ايمانهم فإنهم علماء بأحكام اللَّه الشرعية ، لا بالأمور العقائدية ، بل إن الكثير منهم بمنزلة المقلدين فيما يعود إلى صفات اللَّه وأفعاله ،
التفسير الكاشف — صفحة 401 | محمد جواد مغنية