كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها ( 1 ) رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلَّا وأَهْلُها ظالِمُونَ ( 59 ) وما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وزِينَتُها وما عِنْدَ اللَّه خَيْرٌ وأَبْقى أَفَلا تَعْقِلُونَ ( 60 ) أَفَمَنْ وَعَدْناه وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لاقِيه كَمَنْ مَتَّعْناه مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ( 2 ) ( 61 ) [ القصص : 28 / 56 - 61 ] . والمعنى : إنك أيها النّبي لا تستطيع هداية من شئت ، ولكن هداية التوفيق بيد اللَّه تعالى ، واللَّه أعلم بمن هو أهل الاهتداء ، فما عليك أيها النّبي إلا البلاغ والدعوة إلى اللَّه ، وبيان الشريعة . وقد أجمع أكثر المفسّرين على أن هذه الآية إنما نزلت في شأن أبي طالب عم النّبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ، فإنه دخل عليه النّبي ، وطالبه بالإيمان ، فأجابه : « يا محمد ، لولا أني أخاف أن يعيّر بها ولدي من بعدي ، لأقررت بها عينك ، ثم قال أبو طالب : أنا على ملَّة عبد المطَّلب والأشياخ ( 3 ) ، فتفجّع رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وخرج عنه ، فمات أبو طالب على كفره ، فنزلت هذه الآية : * ( إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ولكِنَّ اللَّه يَهْدِي مَنْ يَشاءُ ) * إشارة إلى أبي طالب . وقال مشركو قريش في تسويغ عدم إيمانهم برسالة النّبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم واعتذارهم عنه : إن اتّبعنا ما جئت به من الهدى ، وخالفنا ما عليه بقية العرب ، خفنا أن يقصدونا بالأذى والمحاربة ، فردّ اللَّه تعالى عليهم بأمور ثلاثة : الأول - تأمين الحرم وأهله : إن هذا الاعتذار كذب وباطل ، لأن اللَّه تعالى جعل قريشا في بلد آمن ، وحرم آمن ، ويستمر فيه الأمن حال كفرهم وإيمانهم . أخرج ابن جرير عن ابن عباس : أن أناسا من قريش قالوا للنّبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم : إن نتّبعك تخطَّفنا الناس ،
التفسير الوسيط — صفحة 1929
مساهمون: وهبة الزحيلي
ص١٩٢٩
هامش
( 1 ) عاصمتها .
( 2 ) ممن أحضروا للنار .
( 3 ) لكن على رأي القائلين بأن أهل الفترة ناجون يكون هؤلاء أصول النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ناجين كغيرهم