وكرّر نوح سؤال ربّه قائلا : ربّ إن ابني من أهلي ، وقد وعدتني بنجاتهم ، ووعدك الحق الذي لا يخلف ، فما مصيره ؟ وأنت أحكم الحاكمين وأعدلهم بالحق .
وهذه الآية تقتضي أن نوحا عليه السّلام ظنّ أن ابنه مؤمن .
فأجابه ربّه : يا نوح إن ابنك ليس من ولدك ولا من أهلك الذين وعدت بإنجائهم ، إنما وعدتك بإنجاء من آمن ، وابنك ذو عمل غير صالح ، أي تنكّر لدعوة الهدى والرّشاد والصّلاح ، وانضم إلى فئة الكافرين ، فلا تطالب مني شيئا ليس لك به علم صحيح ، ولا تعرف مدى صوابه ، وأنهاك أن تكون من جماعة الجاهلين الذين يطلبون إبطال حكمة الله وحكمه ، فلا تكن من الآثمين . وهذا دليل على أن العبرة بقرابة الدين ، لا بقرابة النّسب ، وأن حكم الله في خلقه قائم على السواء والعدل المطلق دون محاباة أحد . وأن المخالف يستوجب التقريع ، وأن الجهل كناية عن الذنب .
فقال نوح : ربّ إني ألتجئ إليك وأستعيذ بك وبجلالك أن أسألك ما ليس لي به علم صحيح ، وإن لم تغفر لي ذنب سؤالي هذا ، وترحمني بقبول توبتي وإنابتي ، أكن من الخاسرين أعمالا . وهذا طريق الصالحين بالتّذلل والانقياد لربّ العالمين ، وإن كان العبد نبيّا أو رسولا . وفي قصة نوح عبرة وعظة شديدة التأثير لكل من كفر بالله وكذب رسله .
فائدة قصة نوح عليه السّلام
إن في إيراد قصص الأنبياء السابقين فوائد جليلة وحكما تشريعية ودينية عظيمة ، ففيها ربط الماضي بخاتمة الرسالات السماوية ، ودفعة قوية دائمة إلى الأمام بالإفادة من تاريخ الأنبياء ، ومعرفة مدى مؤازرة الله لهم لأنهم دعاة الحق ، والعلم بمواطن العبرة والعظة البالغة من القصة القرآنية التي هي منار الطريق ، وبيان السبيل لكل من