الناس في كل عصر وزمان ، فقال : أو لم يتبين ويتّضح للناس ، وخصوصا كفار قريش في عصر النّبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم الذين يخلفون غيرهم في سكنى الأرض ووراثتها مع الديار ، بعد إهلاك الأقوام الآخرين قبلهم : أن اللَّه لو شاء أصابهم وعذّبهم بذنوبهم وأعمالهم السيئة ، كما عذّب أمثالهم ممن قبلهم ، فإن لم يهلكهم اللَّه بعذاب الاستئصال ختم على قلوبهم أو طبع عليها ، فلم تعد تسمع الموعظة والتذكير سماع تدبّر وقبول ، كما قال تعالى : * ( وما تُغْنِي الآياتُ والنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ [ يونس : 10 / 101 ] .
العبرة من قصص الماضين
لم يكن إيراد قصص الأقوام الماضين ، وهم قوم نوح وهود وصالح ولوط وشعيب ، مجرد حكاية وتسلية ، وإنما كان الهدف من ذلك إيراد أمثلة عملية للأمم والشعوب في كل زمان ، وتحقيق العبرة والعظة من إهلاك أولئك الأقوام بسبب تكذيبهم الرّسل ، وإغراقهم في العمى والضّلالة والكفر ، فكان الجزاء عدلا لأنه من جنس العمل ، قال اللَّه تعالى :
[ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 101 إلى 102 ]
* ( تِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها ولَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّه عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ ( 101 ) وما وَجَدْنا لأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ ( 102 ) ) * [ الأعراف : 7 / 101 - 102 ] .
المعنى : تلك قرى الأقوام الخمسة ( قوم نوح وهود وصالح ولوط وشعيب ) أخبر اللَّه بها نبيّه ، كيف أهلكت ليتّعظ الحاضرون بالماضين ، ولأنها أمثلة حسّية قريبة في المكان والذاكرة ، حيث كانت تلك القرى ( أي المدن ) في بلاد العرب ، وكان أهل مكة يتناقلون بعض أخبارها ، وهي جميعا متشابهة في تكذيب الرّسل ، وعذاب الاستئصال ، فكانت العبرة منها واحدة .