الهمة ، وضعفت المنة ، وماتت الخواطر ، وتبلد العقل ، ونقص العلم ، فكان ما دونوه في كتبهم أكثر نفعاً ، وما تكلفوه من ذلك أحسن موقعاً ، ويجب الاقتفاء لآثارهم ، والاستضاء بأنوارهم ، فإن المرء مع من أحب ؛ وله أجر ما احتسب .
أخبرنا الحسن بن محمد الخلال ، أخبرنا أحمد بن محمد بن عمران ، قال سمعت الصولي يقول قال ذو الرمة لعيسى بن عمر " اكتب شعري ، فالكتاب أعجب إلي من الحفظ . إن الأعرابي ينسى الكلمة قد سهرت في طلبها ليلة ، فيضع في موضعها كلمة في وزنها ، ثم ينشده الناس ؛ والكتاب لا ينسى ولا يبدل كلاماً بكلام . " قال بعض الشعراء " من الخفيف "
صنف الكتب يبقى ذكرك وأحرص * إن تصون العلوم والآدابا
إن في جوهر الخواطر علماً * يلقح العقل حكمة وصوابا
وللسري بن أحمد الكندي فيما يقال " من الكامل "
كن للعلوم مصنفاً أو جامعاً * يبقى لك الذكر الجميل مخلدا
كم من أديبٍ ذكره من الورى * غضٌ وقد أودى به صرف الردى
وأرى الأديب يهابه أعداؤه * ويعده السادات فيهم سيدا
ينسى أواخرنا الأوائل كلهم * إلا أخا العلم الذي جاز المدى
وقال آخر " من الوافر "
أرى العلماء أطولنا حياة * وإن أضحوا رفاقاً في القبور
أناس غيبوا وهم شهود * بما ابتدعوه من علم خطير
كأنهم حضور حين تجري * محاسن ذكرهم عند الحضور
لأن ملئت قبورهم ظلاماً * فإن ضياءهم مِلء الصدور
تقييد العلم — صفحة 119
مساهمون: أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي
ص١١٩