* ( ولْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ ) * أي : ولتنظر كل نفس ، ولتتأمل في الأعمال التي عملتها في الدنيا . والتي ستحاسب عليها في يوم القيامة ، فإن كانت خيرا ازدادت منها ، وإن كانت غير ذلك أقلعت عنها .
وعبر - سبحانه - عن يوم القيامة بالغد ، للإشعار بقربه ، وأنه آت لا ريب فيه ، كما يأتي اليوم الذي يلي يومك . والعرب تخبر عن المستقبل القريب بالغد كما في قول الشاعر :
فإن يك صدر هذا اليوم ولى
فإن غدا لناظره قريب
وقال - سبحانه - : * ( ولْتَنْظُرْ نَفْسٌ ) * لإفادة العموم ، أي : كل نفس عليها أن تنظر نظرة محاسبة ومراجعة في أعمالها بحيث لا تقدم إلا على ما كان صالحا منها .
قال صاحب الكشاف : فإن قلت : ما معنى تنكير النفس والغد ؟ قلت : أما تنكير النفس فاستقلالا للأنفس النواظر فيما قدمت للآخرة ، كأنه قيل : ولتنظر نفس واحدة في ذلك ، وأما تنكير الغد ، فلتعظيمه وإبهام أمره ، كأنه قيل : لغد لا يعرف كنهه لعظمه .
وعن مالك بن دينار : مكتوب على باب الجنة : وجدنا ما عملنا ، وربحنا ما قدمنا ، وخسرنا ما خلفنا . . . « 1 » .
وكرر - سبحانه - الأمر بالتقوى فقال : و * ( اتَّقُوا اللَّه ) * للتأكيد . أي : اتقوا اللَّه بأن تؤدوا ما كلفكم به من واجبات ، وبأن تجتنبوا ما نهاكم عنه من سيئات .
وقوله - سبحانه - : * ( إِنَّ اللَّه خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ) * تعليل للحض على التقوى أي :
اتقوه في كل ما تأتون وما تذرون ، لأنه - تعالى - لا تخفى عليه خافية من أعمالكم ، بل هو - سبحانه - محيط بها إحاطة تامة ، وسيجازيكم عليها بما تستحقون يوم القيامة .
وقد جاء الأمر بتقوى اللَّه - تعالى - في عشرات الآيات من القرآن الكريم ، لأن تقوى اللَّه - تعالى - هي جماع كل خير ، وملاك كل بر ، ومن الأدلة على ذلك . أننا نرى القرآن يبين لنا أن تقوى اللَّه قد أمر بها كل نبي قومه ، قال - تعالى - : كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ . إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ . إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ . فَاتَّقُوا اللَّه وأَطِيعُونِ . . . .
وتارة نجد القرآن الكريم يبين لنا الآثار الطيبة التي تترتب على تقوى اللَّه في الدنيا والآخرة ، فيقول : ولَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا واتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأَرْضِ . . . .
هامش
( 1 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 508 .