بعينيه ، وإنما يتبع أمره ، ويؤمن بوحدانيته ووجوده وعلمه وقدرته . . عن طريق ما أوحاه - سبحانه - إلى رسوله صلى اللَّه عليه وسلم .
فقوله : * ( بِالْغَيْبِ ) * حال من فاعل * ( يَنْصُرُه ) * .
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله : * ( إِنَّ اللَّه قَوِيٌّ عَزِيزٌ ) * أي : أن اللَّه - تعالى - هو المتصف بالقوة التي ليس بعدها قوة وبالعزة التي لا تقاربها عزة .
وختمت الآية بهذا الختام ، لأنه هو المناسب لإرسال الرسل ، ولإنزال الكتب والحديد الذي فيه بأس شديد ومنافع للناس .
فكان هذا الختام تعليل لما قبله . أي : لأن اللَّه - تعالى - قوى في أخذه عزيز في انتقامه فعل ما فعل من إرسال الرسل ، ومن إنزال الحديد .
وقوله - سبحانه - : * ( ولَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً وإِبْراهِيمَ وجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ والْكِتابَ . . ) * معطوف على جملة : * ( لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ ) * عطف الخاص على العام .
أي : لقد أرسلنا رسلا كثيرين . . وباللَّه لقد أرسلنا نوحا وإبراهيم ، وجعلنا في ذريتهما عددا من الأنبياء ، وأوحينا إليهم كتبنا ، التي تهدى أقوامهم إلى طريق الحق ، كالتوراة التي أنزلناها على موسى ، وكالزبور الذي أنزلناه على داود .
وخص - سبحانه - نوحا وإبراهيم - عليهما السلام - بالذكر ، لشهرتهما ولأن جميع الأنبياء من نسلمها .
والضمير في قوله - تعالى - : * ( فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ ) * أي : فمن ذريتهم من اهتدى إلى الدين الحق ، وآمن به ، وقام بأداء تكاليفه . وكثير من أفراد هذه الذرية فاسقون . أي : خارجون عن الاهتداء إلى الحق ، منغمسون في الكفر والضلال .
* ( ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا وقَفَّيْنا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ) * والتقفيه اتباع الرسول برسول آخر يقال : قفا فلان أثر فلان . . إذا اتبعه ، وقفى على أثره بفلان ، إذا اتبعه إياه . . وأصله من القفا وهو مؤخر العنق . . فكأن الذي يتبع أثر غيره قد أتاه من جهة قفاه .
وضمير الجمع في قوله * ( عَلى آثارِهِمْ ) * يعود إلى نوح وإبراهيم وذريتهما الذين كانت فيهم النبوة والكتاب .
أي : ثم أرسلنا بعدهم رسولا بعد رسول . حتى انتهينا إلى عيسى - عليه السلام - * ( وآتَيْناه الإِنْجِيلَ ) * أي : أوحيناه إليه ليكون هداية لقومه .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 230
مساهمون: سيد محمد طنطاوي
ص٢٣٠