تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 334

مساهمون:

ص٣٣٤
الكافرين لم يكتفوا بإنكارهم للبعث . . بل جاؤوا بما هو أشنع وأفظع منه ، وهو تكذيبهم لنبوتك - أيها الرسول الكريم - تلك النبوة الثابتة بالمعجزات الناصعة ، ومن مظاهر هذا التكذيب أنهم تارة يقولون عنك ساحر ، وتارة يقولون عنك كاهن وتارة يصفونك بالجنون . فهم في أمر مريج ، أي : مضطرب مختلط . بحيث لا يستقرون على حال . يقال : مرج الأمر - بزنة طرب - إذا اختلط وتزعزع ، وفقد الثبات والاستقرار والصلاح . . ومنه قولهم : مرجت أمانات الناس ، إذا فسدت وعمتهم الخيانة ، ومرج الخاتم في إصبع فلان ، إذا تخلخل واضطرب لشدة هزال صاحبه . وفي هذا الرد عليهم تصوير بديع معجز ، حيث بين - سبحانه - بأنه عليم بما تأكله الأرض من أجسادهم المغيبة فيها ، وبتناقص هذه الأجساد رويدا رويدا ، وأن كل أحوالهم مسجلة في كتاب حفيظ ، وأنهم عندما فارقوا الحق الثابت وكذبوه ، مادت الأرض من تحتهم واضطربت ، واختلطت عليهم الأمور والتبست ، فصاروا يلقون التهم جزافا دون أن يستقروا على رأى ، أو يجتمعوا على كلمة . . ثم شرعت السورة الكريمة في بيان الأدلة على قدرة اللَّه - تعالى - وعلى أن البعث حق ، وعلى أن استبعادهم له إنما هو لون من جهالاتهم وانطماس بصائرهم ، فقال - تعالى - : * ( أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وزَيَّنَّاها وما لَها مِنْ فُرُوجٍ ) * . والاستفهام للإنكار والتعجيب من جهلهم ، والهمزة متعلقة بمحذوف ، والفاء عاطفة عليه أي : أأعرضوا عن آيات اللَّه في هذا الكون ، فلم ينظروا إلى السماء فوقهم . كيف بنيناها هذا البناء العجيب ، بأن رفعناها بدون عمد ، وزيناها بالكواكب ، وحفظناها من أي تصدع أو تشقق أو تفتق . فقوله : * ( فُرُوجٍ ) * جمع فرج ، وهو الشق بين الشيئين . والمراد سلامتها من كل عيب وخلل . ومن الآيات التي وردت في هذا المعنى قوله - تعالى - : الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً ، ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ ، فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ ، ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وهُوَ حَسِيرٌ « 1 » . ثم بين - سبحانه - مظاهر قدرته في بسط الأرض ، بعد بيان مظاهر قدرته في رفع السماء فقال : * ( والأَرْضَ مَدَدْناها ) * أي : والأرض بسطناها ومددناها بقدرتنا ، وجعلناها مترامية الأطراف والمناكب ، كما تشاهدون ذلك بأعينكم .
هامش
( 1 ) سورة تبارك الآيتان 3 ، 4 .