تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 174

مساهمون:

ص١٧٤
الذين يعملون بتلك الوصايا ، فقال - تعالى - : أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا ، ونَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ ، وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ . كما بينت السورة الكريمة سوء عاقبة الكافرين ، الذين أعرضوا عن دعوة الحق ، قال - تعالى - : ويَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ ، أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا ، واسْتَمْتَعْتُمْ بِها ، فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ، وبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ . 5 - ثم حذرت السورة المشركين من الإصرار على شركهم ، وذكرتهم بما حل بالمشركين من قبلهم كقوم عاد وثمود . . . وبينت لهم أن هؤلاء الكافرين لم تغن عنهم أموالهم ولا قوتهم شيئا ، عندما حاق بهم عذاب اللَّه - تعالى - ، فقال - سبحانه - : ولَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيه ، وجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعاً وأَبْصاراً وأَفْئِدَةً ، فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ ولا أَبْصارُهُمْ ولا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ ، إِذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّه ، وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِه يَسْتَهْزِؤُنَ . ولَقَدْ أَهْلَكْنا ما حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرى ، وصَرَّفْنَا الآياتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ . 6 - ثم أخذت السورة الكريمة في أواخرها ، في تسلية الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وفي إدخال السرور على قلبه بأن ذكرته بحضور نفر من الجن إليه ، للاستماع إلى القرآن الكريم ، وكيف أنهم عندما استمعوا إليه أوصى بعضهم بعضا بالإنصات وحسن الاستماع ، وكيف أنهم عندما عادوا إلى قومهم دعوهم إلى الإيمان بالحق الذي استمعوا إليه ، وبالنبي الذي جاء به ، فقال - تعالى - حكاية عنهم : يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّه وآمِنُوا بِه ، يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ ويُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ . ثم ختمت السورة الكريمة بأمره صلَّى اللَّه عليه وسلَّم بالصبر على أذى قومه ، فقال - تعالى - : فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ولا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ . كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ ، بَلاغٌ ، فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ . 7 - والمتأمل في سورة « الأحقاف » يراها ، قد أقامت الأدلة على وحدانية اللَّه - تعالى - ، وعلى كمال قدرته . وعلى صدق الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم فيما يبلغه عن ربه ، وعلى أن هذا القرآن من عند اللَّه ، وعلى أن يوم القيامة حق . أقامت الأدلة على كل ذلك ، بأبلغ الأساليب وأحكمها ، ومن ذلك أنها ساقت ألوانا من مظاهر قدرة اللَّه - تعالى - في خلقه ، كما ذكرت شهادة شاهد من بني إسرائيل على أن الإسلام هو الدين الحق ، كما طوفت بالناس في أعماق التاريخ لتطلعهم على مصارع الغابرين ، الذين أعرضوا عن دعوة الحق ، كما عقدت عدة مقارنات بين مصير الأخيار ومصير الأشرار . .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 174 | سيد محمد طنطاوي