من المخاطبة إلى الغيبة ، كأنه قال لملائكته : فأولئك الذين يريدون وجهي بصدقاتهم ، هم المضعفون ، فهو أمدح لهم من أن يقول : فأنتم المضعفون .
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك مظاهر فضله على الناس فقال : * ( اللَّه الَّذِي خَلَقَكُمْ ) * على غير مثال سابق * ( ثُمَّ رَزَقَكُمْ ) * من فضله بأنواع من الرزق الذي لا غنى لكم عنه في معاشكم * ( ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ) * بعد انقضاء أعماركم في هذه الحياة * ( ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ) * يوم القيامة للحساب والجزاء .
والاستفهام في قوله - سبحانه - : * ( هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ ) * للإنكار والنفي . أي : ليس من شركائكم الذين عبدتموهم من يستطيع أن يفعل شيئا من ذلك ، فكيف اتخذتموهم آلهة وأشركتموهم معي في العبادة ؟ إن اللَّه - تعالى - وحده هو الخالق وهو الرازق وهو المحيي وهو المميت .
* ( سُبْحانَه وتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ) * تنزه وتقدس عن شرك هؤلاء المشركين وعن جهل أولئك الجاهلين .
وبعد هذا التوجيه الحكيم ، يسوق - سبحانه - الآثار السيئة التي تترتب على الكفر والمعاصي ، ويأمر بالاعتبار بالسابقين ، ويبين عاقبة الأشرار وعاقبة الأخيار فيقول :
[ سورة الروم ( 30 ) : الآيات 41 إلى 45 ]
ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ والْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ( 41 ) قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ ( 42 ) فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَه مِنَ اللَّه يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ ( 43 ) مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْه كُفْرُه ومَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ ( 44 ) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْ فَضْلِه إِنَّه لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ ( 45 )
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 91
مساهمون: سيد محمد طنطاوي
ص٩١