ومرادهم بالآيات في قوله - تعالى - : * ( وقالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْه آياتٌ مِنْ رَبِّه ) * الآيات الكونية ، كعصا موسى ، وناقة صالح . ولولا حرف تحضيض بمعنى هلا .
أي : وقال المبطلون للنبي صلى اللَّه عليه وسلم على سبيل التعنت والعناد ، هلا جئتنا يا محمد بمعجزات حسية كالتي جاء بها بعض الأنبياء من قبلك ، لكي نؤمن بك ونتبعك ؟
وقوله : * ( قُلْ إِنَّمَا الآياتُ عِنْدَ اللَّه ، وإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ ) * إرشاد من اللَّه - تعالى - لنبيه صلى اللَّه عليه وسلم إلى ما يرد به عليهم .
أي : قل - أيها الرسول الكريم - في ردك على هؤلاء الجاهلين ، إنما الآيات التي تريدونها عند اللَّه - تعالى - وحده ، ينزلها حسب إرادته وحكمته ، أما أنا فإن وظيفتي الإنذار الواضح بسوء مصير من أعرض عن دعوتي ، وليس من وظيفتي أن أقترح على اللَّه - تعالى - شيئا .
وقوله - سبحانه - : * ( أَولَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ . . ) * كلام مستأنف من جهته - تعالى - لتوبيخهم على جهالاتهم ، والاستفهام للإنكار ، والواو للعطف على مقدر .
والمعنى : أقالوا ما قالوا من باطل وجهل ، ولم يكفهم أنا أنزلنا عليك هذا الكتاب الناطق بالحق ، يتلى على مسامعهم صباح مساء ، ويهديهم إلى ما فيه سعادتهم ، لو تدبروه وآمنوا به ، واتبعوا أوامره ونواهيه ؟
والتعبير بقوله - سبحانه - : * ( يُتْلى عَلَيْهِمْ ) * ، يشير إلى أن هذه التلاوة متجددة عليهم ، وغير منقطعة عنهم ، وكان في إمكانهم أن ينتفعوا بها لو كانوا يعقلون .
ولذا ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله : * ( إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) * .
أي : إن في ذلك الكتاب الذي أنزلناه عليك - أيها الرسول الكريم - ، والذي تتلوه عليهم صباح مساء ، لرحمة عظيمة ، وذكرى نافعة ، لقوم يؤمنون بالحق ، ويفتحون عقولهم للرشد ، لا للتعنت والجحود والعناد .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 49
مساهمون: سيد محمد طنطاوي
ص٤٩