قال القرطبي : قوله - تعالى - : * ( وأَقْسَمُوا بِاللَّه جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الأُمَمِ . . ) * : هم قريش أقسموا قبل أن يبعث اللَّه رسوله محمدا صلَّى اللَّه عليه وسلم حين بلغهم أن أهل الكتاب ، كذبوا رسلهم ، فلعنوا من كذب نبيه منهم . . » « 1 » .
و * ( جَهْدَ أَيْمانِهِمْ ) * أي : أقوى أيمانهم وأغلظها والجهد : الطاقة والوسع والمشقة .
يقال : جهد نفسه يجهدها في الأمر ، إذا بلغ بها أقصى وسعها وطاقتها فيه .
والمراد : أنهم أكدوا الأيمان ووثقوها ، بكل ألفاظ التوكيد والتوثيق .
أي : أن كفار مكة ، أقسموا باللَّه - تعالى - قسما مؤكدا موثقا مغلظا ، * ( لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ ) * أي : نبي ينذرهم بأن الكفر باطل وأن الإيمان باللَّه هو الحق .
* ( لَيَكُونُنَّ أَهْدى ) * سبيلا * ( مِنْ إِحْدَى الأُمَمِ ) * أي : ليكونن أهدى من اليهود ومن النصارى ومن غيرهم في اتباعهم وطاعتهم ، لهذا الرسول الذي يأتيهم من عند ربهم لهدايتهم إلى الصراط المستقيم .
* ( فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ) * وهو محمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم . الذي هو أشرف الرسل .
* ( ما زادَهُمْ إِلَّا نُفُوراً ) * أي : ما زادهم مجيئه لهم إلا نفورا عن الحق ، وتباعدا عن الهدى . أي : أنهم قبل مجيء الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم كانوا يتمنون أن يكون الرسول منهم ، لا من غيرهم ، وأقسموا باللَّه بأنهم سيطيعونه فلما جاءهم الرسول صلى اللَّه عليه وسلَّم نفروا عنه ولم يؤمنوا به .
وإنما كان القسم باللَّه - تعالى - غاية أيمانهم ، لأنهم كانوا يحلفون بآبائهم وبأصنامهم ، فإذا اشتد عليهم الحال ، وأرادوا تحقيق الحق ، حلفوا باللَّه - تعالى - .
وقوله * ( لَيَكُونُنَّ ) * جواب للقسم المقدر . وقوله : * ( ما زادَهُمْ إِلَّا نُفُوراً ) * جواب لمّا .
هامش
( 1 ) تفسير القرطبي ج 14 ص 358 .